الأحد 10 شوال 1447 هـ || الموافق 29 مارس 2026 م


قائمة الأقسام   ||    مقالات متنوعة    ||    عدد المشاهدات: 274

أريد أن أطلب العلم، ولكن كيف أبدأ؟ ماذا أفعل إذا كنت كثير النسيان؟ كيف أنظم وقتي وأنا موظف؟ وعند من أتعلم؟ وبماذا أبدأ من العلوم؟

بقلم الدكتور صادق بن محمد البيضاني


 كثيرا ما يطرق سمعي تساؤل بعض الإخوة: أريد أن أطلب العلم، ولكن كيف أبدأ؟ ماذا أفعل إذا كنت كثير النسيان؟ كيف أنظم وقتي وأنا موظف أو مشغول؟ وعند من أتعلم؟ وبماذا أبدأ؟

والجواب أيها المبارك يبدأ بذكر أبرز الشروط الأساسية لطلب العلم، وهي كالتالي:

أولا: الإخلاص والصدق مع الله.
اعلم أن العلم عبادة، والعبادة لا تقبل إلا بنية خالصة.
قال النبي صلى الله عليه وسلم كما ثبت عند أبي داود وغيره: (من تعلم علما مما يبتغى به وجه الله لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضا من الدنيا لم يجد عرف الجنة يوم القيامة).
قال سفيان الثوري كما في الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع للخطيب البغدادي (2/288): (ما عالجت شيئا أشد علي من نيتي).

ثانيا: الجدية والصبر.
طريق العلم طويل يحتاج صبرا وجلدا.
قال الزهري كما في جامع بيان العلم لابن عبد البر (1/104): (لا تأخذ العلم جملة، فإن من رام أخذه جملة ذهب عنه جملة، ولكن الشيء بعد الشيء مع الأيام والليالي).

ثالثا: المنهجية والتدرج.
ابدأ بصغار العلم قبل كباره. قال ابن عباس كما في صحيح البخاري: (كونوا ربانيين حلماء فقهاء، ويقال: الرباني الذي يربي الناس بصغار العلم قبل كباره).
ولمعرفة المواد والفنون التي ينبغي لطالب العلم أن يبدأ بها: أنصح بسماع او قراءة فتواي التي بعنوان (المنهجية في طلب العلم)، وهي منشورة بموقعي ومجلتي العلمية على الإنترنت.

رابعا: ملازمة العلماء المتمكنين لا المشاهير.
العلم لا يؤخذ من نجوم المنصات ولا من مجرد القراءة، ولا ممن يجمع الإجازات من العلماء ويتفاخر بها وهو اجوف علميا، بل من العلماء الراسخين الجامعين بين العلم والعمل، ممن عرفوا بالتحصيل العلمي والرسوخ في فنونه.
قال الإمام محمد بن سيرين كما في مقدمة مسلم (1/14): (إن هذا العلم دين، فانظروا عمن تأخذون دينكم).
وقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم من زمن يتخذ فيه الجهال رؤوسا، - وما أكثرهم اليوم -، فقال كما في الحديث المتفق عليه: (إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء حتى إذا لم يبق عالما اتخذ الناس رؤوسا جهالا فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا).

خامسا: العمل بالعلم.
قال الله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون).

سادسا: المداومة والاستمرار.
قال صالح بن أحمد بن حنبل كما في المناقب لابن الجوزي (ص55): (رأى رجل مع أبي محبرة فقال له: يا أبا عبد الله أنت قد بلغت هذا المبلغ وأنت إمام المسلمين، فقال: مع المحبرة إلى المقبرة).

سابعا: الزهد في فضول الدنيا.
جاء في كتاب التربية الإسلامية لمحمد منير (ص345) قال: قالت الحكماء: (أصل العلم الرغبة، وثمرته السعادة، وأصل الزهد الرهبة، وثمرته العبادة، فإذا اقترن الزهد والعلم فقد تمت السعادة وعمت الفضيلة).

وهناك عقبات في طريق العلم ينبغي على طالب العلم أن يحذر منها، وأبرزها ما يأتي:

الأولى: الكسل والتسويف.
كم من شاب قال: سأبدأ غدا، فإذا به يشيخ ولم يبدأ، فندم حين لا ينفع الندم.
وقد عقد الخطيب البغدادي بابا في كتابه اقتضاء العلم العمل بعنوان: باب ذم التسويف (ص113 وما بعدها)، وقد جاء فيه: (قيل لرجل من عبد القيس: أوص، فقال: احذروا سوف).
وعن الحسن: إياك والتسويف، فإنك بيومك ولست بغدك، فإن يكن لك غد فكن في غد كما كنت في اليوم، وإن لم يكن لك غد لم تندم على ما فرطت في اليوم.
وعن قتادة بن أبي الجلد قال: قرأت في بعض الكتب: إن سوف جند من جند إبليس.

الثانية: المعاصي والذنوب.
قال ابن الجوزي كما في صيد الخاطر (ص450): (واعلم أن المعاصي تسد أبواب الرزق، وأن من ضيع أمر الله ضيعه الله).
وقال وكيع فيما أخرجه ابن حبان في روضة العقلاء (ص39): (استعينوا على الحفظ بترك المعصية).
وأيضا روى عن ابن حبان أنه قال: (وإن من أجود ما يستعين المرء به على الحفظ الطبع الجيد مع الهمة واجتناب المعاصي).

الثالثة: الصحبة السيئة.
قال النبي صلى الله عليه وسلم كما ثبت عند أبي داود وغيره: (المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل).

الرابعة: العجب والغرور.
قال ابن المبارك كما في المجالسة وجواهر العلم للدينوري (2/186): (لا يزال الرجل عالما ما طلب العلم، فإذا ظن أنه قد علم فقد جهل).

الخامسة: طلب الدنيا بالعلم.
سئل الشيخ ابن عثيمين كما في لقاء الباب المفتوح (226/36): (هل من وصية لطالب العلم المبتدئ؟ فأجاب: الوصية لكل إنسان أن يخلص النية لله عز وجل، وألا يكون قصده بذلك الرئاسة ولا الجاه ولا المال، بل يكون مقصده أن يرفع الجهل عن نفسه وعن غيره، وأن يقيم الملة ويدافع عنها ويحميها).

فاحذروا الدنيا وما فيها من موانع تعيق طالب العلم عن مواصلة الطلب، واقرأوا سير أعلام الأمة وما كانوا عليه من الثبات والصبر والاجتهاد في طلب العلم.

فقد كان البخاري يقوم الليل مرات كثيرة يوقد السراج ليكتب الفائدة.
وهذا أحمد بن حنبل: جاب الآفاق في طلب الحديث وثبت في المحنة حتى صار إمام أهل السنة.

فلا تكن مترددا عن طلب العلم، ولا تقل: (أريد أن أطلب العلم ولكن) فإن (لكن) جدار من الوهم، وعليك أن تهدمه بالنية الصادقة، وأن تبدأ ولو بصفحة، ولو بدقيقة، ولو بدرس قصير، فالقليل مع الاستمرار يبني صرحا عظيما.

فيا طالب العلم: أخلص لله نيتك، واصبر على مشاق الطريق، واصحب العلماء الراسخين، واحذر المشاهير المتكلفين، وداوم على الطلب عند العلماء بلا انقطاع.

فالعلم حياة القلوب، ونور البصائر، وبه تعرف ربك وتعبد مولاك، وهو ميراث الأنبياء، ومن فاته فقد فاته الشرف كله.

والله من وراء القصد.




اقرأ أيضا



للتواصل معنا

فايس واتساب تويتر تلغرام