العلماء الربانيون حماة الدين والوطن
بقلم الدكتور صادق بن محمد البيضاني
إذا انطفأت مصابيح الهدى في دروب الناس، وانهمرت ظلمات الفتن على القلوب، لم يبق بعد الله إلا العلماء الربانيون، يضيئون الطريق، ويقودون السفينة، ويحمون الدين من التحريف، والأمة من الضياع.
العلماء الربانيون هم الذين قال الله عنهم: (شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم قائما بالقسط).
فبدأ بنفسه، وقرن شهادتهم بشهادته، دلالة على عظيم مكانتهم ورفعة قدرهم.
هم ورثة الأنبياء، كما صح ذلك في سنن أبي داود وغيره، قال صلى الله عليه وسلم: (إن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما، وإنما ورثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافر).
العالم الرباني ليس فقط حافظا للمسائل، أو ناقلا للكتب، بل هو المتمسك العامل بالكتاب والسنة، وهو من جمع بين العلم والعمل، بين الفقه والتقوى، بين البصيرة والرحمة، بين الصدع بالحق والحكمة في البلاغ.
قال ابن عباس رضي الله عنهما كما في صحيح البخاري تعليقا، (فتح الباري ١/ ١٦٢): (كونوا ربانيين: [يعني] حلماء فقهاء).
وساق عن ابن الأعرابي قوله: (لا يقال للعالم رباني حتى يكون عالما معلما عاملا).
العلماء الربانيون هم الحصن الحصين في زمن الانهيار، وهم الجدار الأخير حين تسقط السدود.
يحملون على أكتافهم أمانة الدين، ويذودون عنه، ويحذرون الأمة من مسالك البدع، ومهاوي الشبهات، ومزالق الشهوات.
إنهم لا يسكتون عن الحق إذا سكت الناس، ولا يركنون للباطل إذا راج سوقه، بل يصدعون بما أمروا، ولو كره المبطلون.
قال الإمام أحمد كما في كتاب المحنة لحنبل (ص 95): (إذا أجاب العالم تقية، والجاهل بجهل، فمتى يتبين الحق؟!).
وفي زمن الفتن، حين تختلط الأصوات، ويتهم المصلح، ويمدح المفسد، يكون العالم الرباني صوت الحق الوحيد في سكون الانحراف.
قال الحسن البصري: (كانوا يقولون: موت العالم ثلمة في الإسلام لا يسدها شيء ما اختلف الليل والنهار) أخرجه أحمد في الزهد (ص 212) بإسناد جيد، وإسناده من قول ابن عباس وابن مسعود لا يصح.
العلماء الربانيون لا يحمون الدين فحسب، بل يحرسون الأوطان أيضا، فبهم تصان الثوابت، وتوجه الأمة نحو الأمن، وتغرس في القلوب طاعة ولاة الأمر بالمعروف، والاجتماع على كلمة الله، والنهي عن الفتنة والفرقة.
ولذا كان السلف إذا نزلت بهم نازلة، لم يلتفتوا إلى أصحاب الهوى، بل هرعوا إلى العلماء يسألونهم: ما حكم الله؟
فيا أمة الإسلام، تمسكوا بعلمائكم، فهم صمام أمانكم، لا تغتروا بدعاة الفتن والردة والإلحاد والزندقة ممن زينوا القول وغيبوا الحق، ولا تصغوا إلى أصوات الطعن والتشويه التي تحارب العلماء المخلصين لتفتح الطريق لأهل الانحراف والتغريب.
اعلموا أن من حارب العلماء، إنما يريد أن يفرغ الدين من رجاله، والأمة من مجدها التليد، والحق من دعاته.
قال العلماء: (إذا أراد الله بقوم سوءا نزع منهم العلماء فصاروا همجا، فسقوا بسوء أعمالهم).
وفق الله الجميع لطاعته، وألهمهم رشدهم.