الأحد 14 ذو الحجة 1447 هـ || الموافق 31 ماي 2026 م


قائمة الأقسام   ||    لله ثم للتاريخ، هذا ما أحدثه الحوثيون في اليمن    ||    عدد المشاهدات: 248

لله ثم للتاريخ، هذا ما أحدثه الحوثيون في اليمن(60)
بقلم الدكتور صادق بن محمد البيضاني

الحلقة الستون: الحوثي والمحاكم: القضاء تحت السيطرة والتوظيف السياسي


شهد النظام القضائي في المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين تغيرات جذرية في بنية السلطة القضائية وصلاحياتها، حيث تحول القضاء من كونه جهازا مستقلا إلى أداة بيد السلطة الفعلية. 

هذه التغيرات كانت على صعد عدة، منها الهيكلة الإدارية، التدخل في أعمال المحاكم، استخدام القضاء لتصفية الخصوم، تقييد حرية الدفاع، إلى جانب انتهاكات منهجية لحقوق الانسان داخل المحاكم، وصولا إلى ردود فعل المجتمع الدولي والتحديات المستقبلية لإصلاح هذا الجهاز.

أولا - اعادة هيكلة القضاء وتعيين موالين في هذا الإطار.

بادرت السلطة الحوثية إلى تعديل بعض القوانين الخاصة بالسلطة القضائية في منتصف سبتمبر 2024م، ما مثل سابقة في تغييب مبدأ الفصل بين السلطات وتوسيع صلاحيات التنفيذ في تعيين القضاة.  

بموجب هذه التعديلات أصبح رئيس ما يعرف بالمجلس السياسي الأعلى (السلطة الحوثية) مخولا بتعيين أعضاء في المجلس الأعلى للقضاء من خارج الكادر القضائي، حتى من طلاب الشريعة ممن يحملون إجازة فقط، دون استيفاء الشروط الأكاديمية التي كانت مطلوبة سابقا.

في غضون ذلك، أعلن المجلس الأعلى للقضاء الخاضع للحوثيين عن تغييرات واسعة في رؤساء المحاكم والأقسام خلال شهرين فقط، تشمل 39 محكمة وقسما في المناطق الواقعة تحت سيطرتها.  

وقد وصفت نقابات القضاة والمحامين المحليون هذه الخطوات بأنها انقلاب على السلطة القضائية الدستورية وتحويلها إلى أداة في يد التنفيذ. 

بموجب ذلك، خضع العديد من القضاة المستقلين أو المتمسكين بالنظام القانوني السابق إلى إقالة أو استبعاد، وحلت بعض المحاكم أو تم دمجها أو إعادة تسميتها، في حين جرى فتح محاكم جديدة في جهات عدة من المناطق الشمالية، بما يعزز السيطرة الإدارية والهيكلية. 

ثانيا - التدخل المباشر في عمل المحاكم.

إضافة إلى التعيينات، شمل التدخل الحوثي في القضاء ما يعرف بالمشرفين داخل المحاكم، أي أشخاص يكلفون بمراقبة القضاة وتأثيرهم على قراراتهم، أو حتى ممارسة المهام القضائية في غياب القضاة الذين لا يعدون موالين بالكامل للنظام. 

علاوة على ذلك، تم تحويل بعض مقار المحاكم إلى مراكز للسلطة الأمنية، حيث صرح وزير العدل المعترف به دوليا بأن الحوثيين حولوا المحاكم إلى مقار عسكرية في العاصمة صنعاء، مما يعكس بوضوح تداخل سلطات الأمن والقضاء. 

كما تم تجاهل إضرابات القضاة التي اندلعت احتجاجا على ممارسات الحوثيين، من بينها تنفيذ عمليات اختطاف وقتل للقضاة الرافضين، دون أن تحصل محاسبة حقيقية، ما جعل انتشار الإضراب في عدد من المحاكم أمرا ملحوظا. 

ثالثا - استخدام القضاء لتصفية الخصوم.
من أبرز مظاهر انهيار استقلال القضاء في المناطق الخاضعة للحوثيين: استخدام المحاكم كأداة لتصفية المعارضين السياسيين والخصوم، وإصدار أحكام شديدة غالبا غيابية أو تفتقر لضمانات المحاكمة العادلة. 

ووفقا لتقرير مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية، تم استخدام المحاكم الجنائية لمعاقبة جهات سياسية أو قبلية في سياق حملة لتثبيت الولاء للنظام الحوثي. 

كما أصدرت محاكم تابعة للحوثيين أحكاما بالإعدام أو بالسجن الطويل ضد من اتهم بالتعاون مع دولة أجنبية أو العدو (في إشارة إلى التحالف العربي الذي تقوده السعودية). 

على سبيل المثال، نقلت وكالة أسوشييتد برس أن محكمة تابعة للحوثيين حكمت بالإعدام على 44 شخصا بتهم التعاون مع التحالف السعودي في يونيو 2024م. 

كما أدت التعديلات القانونية والإدارية إلى فتح الباب أمام مصادرة أموال أو ممتلكات محسوبة على خصوم السلطة، تحت مبرر الخيانة أو التعاون مع العدو، مع غياب أو ضعف فعلي لحق الدفاع أو المحاكمة العادلة. 

رابعا - تقييد حرية الدفاع.

ممارسات النظام القضائي في مناطق الحوثيين لم تقتصر على القضاة والمحاكم فقط، بل طالت كذلك المحامين والحقوقيين الذين رفضوا التواطؤ مع التغييرات السياسية. 

فقد دانت نقابات المحامين والمنظمات الحقوقية ما وصفته باعتقالات أو تهديدات أو منع محامين من ممارسة مهنة الدفاع في قضايا حساسة. 

على سبيل المثال، حث الاتحاد الدولي للصحفيين (IFJ) في أكتوبر 2024م على إلغاء حكم بالإعدام ضد مالك وسائل إعلام صدر عن محكمة تابعة للحوثيين، باعتباره مثالا على استخدام القضاء لترويع الصحفيين والفاعلين القانونيين. 

كما أن تعديل قانون السلطة القضائية خفض من شأن مهنة المحاماة، وألغى بعض الضمانات التي تحميها من تدخل السلطة التنفيذية، بحسب بيان نقابة المحامين العربية. 

خامسا - انتهاكات حقوق الإنسان في المحاكم.

المعايير الشرعية والدولية للمحاكمة العادلة وحقوق الدفاع ومنع التعذيب واحترام الاستقلال القضائي تمّ انتهاكها في عدة مناسبات في مناطق الحوثيين. 

تقرير مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية أشار إلى أن أحكام الإعدام تصدر بدون إجراءات قانونية سليمة في سياقات سياسية موجهة. 

كذلك تحولت المحاكم إلى آليات قمع، وتعرض بعض القضاة للملاحقة أو الإقصاء أو الاعتقال، مما اوجدا نظاما موازياً يستند إلى سلطة الأمر الواقع وليس إلى القانون الدستوري. 

وعلى الصعيد الدولي، أدانت جهات عدة تدخل الحوثيين في القضاء واستقلاله. على سبيل المثال، نقباء المحامين العرب طالبوا بإدانة التعديلات التي قامت بها جماعة الحوثي باعتبارها تعديا خطيرا على استقلال القضاء.

وفي سياق أوسع، فإن المنظمات الحقوقية الدولية وصحيفة أسوشييتد برس نشرت تقارير عن محاكمات تعسفية في مناطق الحوثيين، ما وضع المسألة ضمن أجندة حقوق الإنسان الدولية. 

والحاصل: أن القضاء في مناطق سيطرة الحوثيين بات جهازا يخدم أجندة السلطة السياسية، أكثر منه وسيلة لتحقيق العدالة وسيادة القانون. 

الهيكلة والتدخل والتعيينات وتصفية الخصوم وتقييد الدفاع تشكّل جميعها تلويحا بأن المسار القانوني تحول إلى أداة للسيطرة.
 إن معالجة هذا الواقع تتطلب إصلاحا حقيقيا ومستقلا للقضاء، وبناء نظام قضائي محترم يعيد الثقة إلى المواطنين ويضمن حقوقهم الأساسية.




اقرأ أيضا



للتواصل معنا

فايس واتساب تويتر تلغرام