لله ثم للتاريخ، هذا ما أحدثه الحوثيون في اليمن(58)
بقلم الدكتور صادق بن محمد البيضاني
الحلقة الثامنة والخمسون: الحوثي والقات: من أداة اقتصادية إلى وسيلة للسيطرة الاجتماعية والسياسية
في قلب المجتمع اليمني، حيث يمتزج العرف بالعقيدة والعادة بالاقتصاد، يقف القات شاهدا على واحدة من أكثر الظواهر تعقيدا في الحياة اليومية لليمنيين.
فقد تجاوز القات دوره التقليدي كنبتة تستخدم للترفيه أو التنشيط، ليصبح محورا اقتصاديا وثقافيا واجتماعيا له تأثير بالغ على البنية المجتمعية.
ومع دخول جماعة الحوثي إلى المشهد السياسي وسيطرتها على مناطق واسعة من البلاد، تحول القات إلى أداة نفوذ وهيمنة تدار بها العقول وتضبط بها الولاءات.
إن هذا المقال يحاول كشف أبعاد العلاقة بين الحوثي والقات، من جذورها الاقتصادية إلى أغراضها السياسية والاجتماعية الخفية.
أولا: القات في الثقافة اليمنية.
يعد نبات القات (Catha edulis) جزءا متجذرا في الحياة الاجتماعية اليمنية، إذ يستهلكه ملايين اليمنيين يوميا بوصفه وسيلة للتسلية أو التلاقي أو التنشيط، بغض النظر عن حكمه الشرعي الذي تم بسطه في غير هذا الموضع.
وقد استخدم القات تاريخيا كمنبه خفيف يساعد على اليقظة وتقليل الشعور بالجوع، خاصة في المناطق الجبلية والريفية.
لكن هذه العادة الاجتماعية لها آثار أخلاقية واقتصادية وصحية خطيرة.
فقد أشار استطلاع للبنك الدولي عام 2006م إلى أن نحو 72٪ من الرجال و33٪ من النساء في اليمن يمضغون القات بانتظام، ما يجعله جزءا من الحياة اليومية يصعب فصله عن الثقافة الشعبية.
أما جلسات (المقيل)، التي تقام عادة في المساء، فقد تحولت من تجمع اجتماعي إلى فضاء مؤثر في صناعة الرأي العام، وتبادل النقاشات السياسية، بل أداة بيد القوى الحوثية المسيطرة لتشكيل العقول وتوجيهها.
وهنا بدأت جماعة الحوثي باستغلال هذا الموروث الثقافي لمصلحتها.
ثانيا: القات كأداة اقتصادية.
من الناحية الاقتصادية، يعد القات من أهم المحاصيل النقدية في اليمن، إذ يدر أرباحا ضخمة ويتيح فرص عمل لنحو واحد من كل سبعة يمنيين.
لكنه في الوقت ذاته يستهلك أكثر من 40٪ من الموارد المائية المتجددة في بلد يعاني من شح المياه.
ومع صعود الحوثيين، فرضت الجماعة إتاوات وضرائب خاصة وخمسا على مزارعي القات وتجاره وبائعيه، بحجة دعم المجهود الحربي وخدمة المجتمع.
وأصبح القات موردا ماليا ضخما يغذي خزائن الجماعة، إذ يجري تحصيل الضرائب منه بصورة شبه يومية، ما جعل زراعته واستثماره وسيلة للجباية الحوثية المنظمة.
ووفق تقارير اقتصادية محلية، فإن الحوثيين أنشؤوا نقاط تفتيش على مداخل المدن والقرى لفرض رسوم على سيارات القات، إلى جانب الضرائب التي تفرض على المزارعين في صعدة وعمران وإب وبقية المحافظات، ما جعل القات أحد أعمدة التمويل غير الرسمي للجماعة المسلحة.
ثالثا: الحوثي والقات.
منذ استيلاء الحوثيين على صنعاء عام 2014م، لم يتعاملوا مع القات بوصفه مجرد محصول زراعي، بل كمورد سلطوي وأداة للتحكم الاجتماعي والسياسي، وهذا يتضح من خلال الأمور الآتية:
الأول: فرضت على الأسواق والمزارع ضرائب متعددة كما تقدم، بعضها تحت مسمى الزكاة، وبعضها تحت مسمى الخمس الذي تدعي الجماعة أنه حق شرعي في موارد الأرض.
حتى التجار والبائعون الصغار أُجبروا على دفع مبالغ مالية منتظمة لصالح الجماعة، ومن رفض واجه الإغلاق أو المصادرة.
الثاني: استغلت الجماعة جلسات القات (المقيل) لنشر الفكر الاثني عشري الإيراني في أوساط المجتمع.
ففي هذه الجلسات التي يحضرها الشباب والوجهاء، تطرح موضوعات تمجد إيران وولاية الفقيه، وتهاجم السعودية ودول الجوار باعتبارها أعداء اليمن والإسلام حسب زعمهم، كما تلقى في بعض المجالس دروس فكرية تسخر من أهل السنة وتصفهم بالوهابية، وتارة بألقاب أخرى مسيئة.
الثالث: تستخدم هذه المجالس أيضا كوسيلة لتجنيد الشباب والصغار، عبر الخطاب التحفيزي العاطفي الذي يطرح أثناء المقيل، حيث يصور القتال في الجبهات بأنه جهاد مقدس، ويمنح المشاركون وعودا بالمكافآت أو المناصب.
وقد رصدت تقارير حقوقية عديدة حالات لتجنيد قاصرين عقب حضورهم مثل هذه الجلسات.
الرابع: لم تسلم النساء من هذا التوظيف؛ إذ أصبحت جلسات القات النسائية مسرحا لدعوات الزينبيات، حيث تشجّع النساء على الالتحاق بالدورات الثقافية الحوثية التي تدرس الفكر الطائفي، وتحثهن على دعم أزواجهن وأبنائهن للقتال.
وبهذا، تحولت تلك الجلسات من مساحة اجتماعية إلى منصات تعبئة مذهبية وسياسية.
رابعا: القات كوسيلة للسيطرة الاجتماعية.
جلسات القات تمتد لساعات طويلة، وفي مناطق الحوثيين أصبحت تدار بعناية لتكون وسيلة لإحكام السيطرة على المجتمع.
ففي هذه الجلسات، يعاد تشكيل الوعي الجمعي للسكان عبر بث خطاب ديني وسياسي يخلط بين الهوية اليمنية والولاء للحوثي.
ويستغل قادة الجماعة المقيل لتكريس ثقافة السمع والطاعة، ومراقبة الحاضرين، وبناء شبكات ولاء شخصية بين القادة والمواطنين.
كما تستخدم أحيانا لمناقشة أنشطة التجنيد، أو لجمع التبرعات لصالح الجبهات، أو حتى لتصفية الحسابات الاجتماعية والسياسية عبر خطاب تعبوي ممنهج.
بل إن القات نفسه أصبح أداة إلهاء للمجتمع؛ إذ يغرق الناس في جلسات مطولة من الكلام والتخدير المؤقت، بينما تدار البلاد بقرارات فوقية تفرض دون نقاش.
وهكذا تحول القات في يد الحوثي إلى سلاح ناعم للسيطرة النفسية.
خامسا: القات والنساء.
لم تعد المرأة اليمنية بعيدة عن دائرة استهلاك القات، بل أصبحت ضمنها بقوة في ظل تدهور الأوضاع المعيشية.
ومع هذا، أدرك الحوثيون أهمية استغلال تلك الدائرة.
فمجالس النساء أصبحت فرصة لبث أفكار الثقافة الزينبية التي تحث على الولاء المطلق للجماعة وقائدها، وتدعو النساء إلى دعم المجهود الحربي وتربية الأطفال على حب الجهاد.
يضاف إلى ذلك أن كثيرا من الأسر التي فقدت معيلها بفعل الحرب لجأت إلى بيع القات كمصدر دخل، ما جعل النساء أكثر عرضة للتأثير الحوثي المباشر تحت غطاء العمل المعيشي.
سادسا: مضغ الأطفال للقات - الظاهرة والحقائق الموثقة.
ظاهرة مضغ الأطفال للقات آخذة في الانتشار بشكل خطير، وقد وثقتها دراسات عدة. فبحسب بحث منشور في المجلة البريطانية بي إم سي للصحة العامة عام 2024م، فإن ما يصل إلى 42٪ من المراهقين في اليمن يمضغون القات، بينما أشار تقرير مجلة نيو لاينز الأمريكية (يناير 2024م) إلى أن ما بين 15 و20٪ من الأطفال يقضون ساعات يوميا في مضغه.
وتشير تقارير اليونيسف إلى أن بعض هؤلاء الأطفال يستغلون لاحقا في النزاع المسلح، إذ يستخدم الحوثيون القات لتسهيل استيقاظهم الطويل في الجبهات أو خلال التدريب، ما يجعلهم أكثر طاعة وأقل مقاومة.
هذه الظاهرة لا تنفصل عن الفقر والجوع، إذ تلجأ بعض الأسر إلى السماح لأطفالها بمضغ القات بدل الطعام، في ظل انعدام الأمن الغذائي الحاد الذي يضرب البلاد.
سابعا: التحديات المستقبلية.
تتجذر مشكلة القات اليوم في منظومة معقدة من العادات والاقتصاد والسياسة.
ويجعل استغلال الحوثيين للقات الوضع أكثر صعوبة، إذ أصبح المحصول أحد مصادر تمويلهم الأساسية وأداة للهيمنة الاجتماعية.
مواجهة هذه الظاهرة تتطلب برامج شاملة تجمع بين التوعية الصحية، والبدائل الاقتصادية للمزارعين، وتشريعات تحد من فرض الضرائب الحوثية الجائرة، إلى جانب دعم الجهود الوطنية والدولية لفك الارتباط بين القات والسلطة السياسية.
لقد حول الحوثيون القات من نبتة تقليدية ابتلي بها الشعب اليمني إلى منظومة تحكم متكاملة تستخدم للجباية والتجنيد والتعبئة الفكرية والسيطرة الاجتماعية.
ومن خلال المقيل، يبثون أفكارهم، ويجندون شبابهم، ويشكلون وعي النساء، ويدمجون الاقتصاد بالمذهب لخدمة مشروعهم الطائفي.
ولذلك، فإن أي إصلاح حقيقي في اليمن لا بد أن يمر عبر تفكيك هذه المنظومة، وإعادة القات إلى طبيعته كمشكلة اجتماعية قابلة للعلاج، لا كسلاح نفسي وسياسي بيد جماعة تستخدمه لتخدير العقول وجعل الشعب عبيدا لهم ووقودا لحربهم.