الأحد 14 ذو الحجة 1447 هـ || الموافق 31 ماي 2026 م


قائمة الأقسام   ||    لله ثم للتاريخ، هذا ما أحدثه الحوثيون في اليمن    ||    عدد المشاهدات: 217

لله ثم للتاريخ، هذا ما أحدثه الحوثيون في اليمن(48)
بقلم الدكتور صادق بن محمد البيضاني 

الحلقة الثامنة والأربعون: الحوثي والمتاحف: نهب التراث وتدمير الهوية الثقافية


لم تكن الحرب في اليمن حربا على الجغرافيا فقط، بل كانت حربا على الذاكرة، على ما تبقى من ملامح التاريخ الذي خطّه اليمنيون فوق الجبال والوديان والقصور الحجرية القديمة. 

فحين دخلت جماعة الحوثي العاصمة صنعاء في 21 سبتمبر 2014م، لم تكتف بالسيطرة على السلطة، بل مدت يدها إلى ذاكرة اليمن، إلى المتاحف التي كانت تحفظ للعالم قصة حضارة سبأ وحمير وقتبان ومعين.

منذ ذلك التاريخ، بدأت مرحلة جديدة من العبث المنهجي بالتراث. 
فقد تحولت المتاحف من أماكن تحفظ التاريخ إلى مواقع عسكرية تخزن فيها الأسلحة وتطلق منها القذائف. 

في محافظة البيضاء، مثلا، حولت مدينة رداع التاريخية، التي تعود جذورها إلى القرن الثالث قبل الميلاد، إلى ثكنة حوثية. 
ووفقا لتقرير صادر عن الهيئة العامة للآثار والمتاحف اليمنية عام 2016م، تعرضت مبانيها ومساجدها القديمة للتدمير بفعل القصف المتبادل بعد أن استخدمها الحوثيون كمواقع عسكرية.

وقد وجدت شبكات التهريب ضالتها، فصارت الآثار اليمنية تباع في المزادات العالمية كما تباع التحف الحديثة، وكأنها بلا هوية ولا صاحب. 
ووفقا لتقرير مركز الهدهد للدراسات الأثرية (2022)، تم بيع نحو 4,265 قطعة أثرية يمنية في ستة عشر مزادا عالميا بأمريكا وأوروبا بين عامي 1991م و2022م، منها 2,610 قطعة بيعت خلال سنوات الحرب فقط، تجاوزت قيمتها اثني عشر مليون دولار أمريكي. 
كانت تلك القطع شواهد على مجد اليمن القديم، لكنها اليوم تتناثر على رفوف المتاحف الأجنبية، شاهدة على جريمة مزدوجة: جريمة نهب، وجريمة صمت.

وفي قلب العاصمة، حيث مقر المتحف الوطني اليمني الذي تأسس عام 1971م، وكان يضم أكثر من 75 ألف قطعة أثرية توثق مسيرة التاريخ اليمني منذ العصور القديمة حتى الدولة المتوكلية. 
لكنّه لم يسلم من الدمار. ففي عام 2015م، تعرضت المنطقة المحيطة به لغارات جوية أدت إلى تصدع مبناه وتلف مئات القطع الأثرية، بحسب تقرير اليونسكو الصادر في فبراير 2016م.

وأما محافظة إب، المدينة التي عرفت بجمالها الأخضر وكنوزها الأثرية، فقد عانت من عمليات حفر وتجريف عشوائي نفذتها عصابات على صلة بجماعة الحوثي، وفق ما ذكره تقرير الهيئة العامة للآثار (2021م). 
نهبت مواقع تاريخية عريقة، مثل العصيبية في عزلة جبل عصام، وجبل الرئسي في حبير، وضريح الحداد في عينان، وحصن العرافة في ظفار التاريخية. 
كانت الحفريات تجرى ليلا، وتحمّل القطع الأثرية في شاحنات لا يعرف أحد وجهتها، بينما يدفن تاريخ اليمن تحت أقدام الطامعين.

ورغم هذا الخراب، لم تستسلم الحكومة اليمنية. ففي عام 2023م، أعلنت وزارة الخارجية اليمنية بالتعاون مع السلطات الأمريكية عن استعادة 79 قطعة أثرية ومخطوطة قرآنية نادرة، كانت قد ضبطت في الولايات المتحدة. وتم تسليمها رسميا إلى الحكومة اليمنية، لتودع مؤقتا في متحف السميثسونيان بواشنطن، بحسب بيان صدر عن السفارة اليمنية في واشنطن بتاريخ 1 يوليو 2023م. 
كانت تلك الخطوة بصيص أمل في طريق طويل لاستعادة ما نهبته الحرب.

وقد وجهت الحكومة اليمنية في عام 2024م نداء عاجلا إلى منظمة اليونسكو والمنظمات الثقافية الأوروبية، مطالبة بوقف تداول الآثار اليمنية المهربة في المزادات العالمية، والعمل على إعادتها. 
وذكرت اليونسكو في بيانها الصادر في باريس بتاريخ 14 فبراير 2024م أنها ستكثف جهودها لتوثيق الآثار اليمنية المنهوبة والتنسيق مع الإنتربول لملاحقة المهربين. 

لكن الطريق لا يزال طويلا، إذ تتطلب استعادة التراث المفقود إرادة دولية تتجاوز بيانات الشجب.

إن تدمير التراث الثقافي لم يكن فعلا عشوائيا، بل هو جزء من استراتيجية الحرب النفسية التي تتبعها جماعة الحوثي. 
فحين يمحى تاريخ الأمة من ذاكرة أبنائها، يسهل السيطرة على وعيهم. 
يقول تقرير مجلس التراث العالمي (2022) إن استهداف المتاحف والمواقع الأثرية في اليمن هدفه إضعاف الشعور الوطني وتفكيك الهوية الثقافية للشعب. 
وهكذا، صار التاريخ نفسه ساحة معركة، تستخدم فيها الآثار بدل السلاح، والهوية بدل الجغرافيا.

إن ما جرى للمتاحف اليمنية ليس خسارة لقطع حجرية فحسب، بل هو طعنة في قلب الذاكرة الإنسانية، وصفحة أُحرقت من كتاب اليمن العظيم. 

وإذا لم يتحرك العالم لاستعادة ما سرق وحماية ما تبقى، فإن الأجيال القادمة ستفقد كثيرا من معالمها التاريخية القديمة.




اقرأ أيضا



للتواصل معنا

فايس واتساب تويتر تلغرام