الإثنين 12 صفر 1448 هـ || الموافق 27 يوليوز 2026 م


قائمة الأقسام   ||    نور القرآن - تفسير وتأملات آيات الذكر الحكيم    ||    عدد المشاهدات: 7

دعاء البناة المخلصين، وبعثة النبي الخاتم، ومنهج بناء الأمة

[ضمن سلسلة نور القرآن الكريم - تفسير وتأملات آيات الذكر الحكيم، الحلقة رقم (42)]

بقلم الدكتور صادق بن محمد البيضاني


قال الله تعالى:
﴿وَإِذۡ يَرۡفَعُ إِبۡرَٰهِيمُ ٱلۡقَوَاعِدَ مِنَ ٱلۡبَيۡتِ وَإِسۡمَٰعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلۡ مِنَّآۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡعَلِيمُ ۝١٢٧ رَبَّنَا وَٱجۡعَلۡنَا مُسۡلِمَيۡنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَآ أُمَّةٗ مُّسۡلِمَةٗ لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبۡ عَلَيۡنَآۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ ۝١٢٨ رَبَّنَا وَٱبۡعَثۡ فِيهِمۡ رَسُولٗا مِّنۡهُمۡ يَتۡلُواْ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡحِكۡمَةَ وَيُزَكِّيهِمۡۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ ۝١٢٩﴾.

بعد أن ذكر الله شرف البيت الحرام، وأمر إبراهيم وإسماعيل بتطهيره، انتقل إلى تصوير مشهد عظيم من أعظم مشاهد الإيمان؛ مشهد نبيين كريمين يرفعان قواعد بيت الله بأيديهما، ومع عظم عملهما لم يغترّا بعملهما، بل كان لسانهما يلهج بالدعاء والخوف من عدم القبول.

قال سبحانه:
﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ﴾.

أي يرفعان أساسات الكعبة ويبنيانها امتثالًا لأمر الله.

ومع أنهما نبيان يقومان بأشرف عمل على وجه الأرض، لم يقولا: قد أدينا ما علينا، وإنما قالا:
﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾.

فالمؤمن لا يعتمد على كثرة عمله، وإنما يخاف ألا يقبل منه.

ولهذا أثنت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها [كما ثبت عند الترمذي وغيره] على سؤالها للنبي صلى الله عليه وسلم عن قول الله تعالى:
﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾.

فقالت: أهم الذين يزنون ويسرقون؟

قال: (لا يا بنت الصديق، ولكنهم الذين يصومون ويصلون ويتصدقون ويخافون ألا يقبل منهم).

فهذه حال الصالحين؛ يجمعون بين كثرة الطاعة وشدة الخوف من ردها، أما المغرور فيجمع بين قلة العمل والأمن من مكر الله.

ثم قالا:
﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ﴾.

وليس المقصود أصل الإسلام، فهما نبيان مسلمان، وإنما سؤال الثبات، وكمال الانقياد، والإخلاص لله حتى الممات.

ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم كما ثبت عند الترمذي وغيره يكثر أن يقول:
(يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك).

فإذا كان خير الخلق يسأل الله الثبات، فكيف بمن دونه؟

ثم قالا:
﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ﴾.

فلم يطلبا كثرة الذرية، وإنما طلبا صلاحها وإسلامها لله.

وهذا يعلم الآباء أن أعظم ما يدعون به لأولادهم ليس المال ولا المنصب ولا الصحة، وإنما الهداية والثبات على التوحيد.

ثم قالا:
﴿وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا﴾.

أي علمنا كيف نعبدك، وكيف نؤدي شعائر الحج وسائر العبادات على الوجه الذي تحبه.

فالعبادة لا تبنى على الهوى، وإنما على الوحي.

وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كما في صحيح مسلم:
(خذوا عني مناسككم).

ثم قالا:
﴿وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾.

وفي هذا أعظم درس؛ فإن الأنبياء مع علو منزلتهم يكثرون من التوبة والاستغفار، فكيف بالمذنبين؟

وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول كما في صحيح البخاري:
(والله إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة).

ثم قال سبحانه:
﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾.

وهذا من أعظم الأدعية في تاريخ البشرية؛ فقد دعا إبراهيم أن يبعث الله في ذريته رسولًا منهم، فاستجاب الله دعاءه بعد قرون، فبعث محمدًا صلى الله عليه وسلم من ولد إسماعيل.

وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم كما ثبت في مسند احمد وغيره:
(أنا دعوة أبي إبراهيم، وبشرى عيسى).

ثم ذكر وظائف هذا الرسول العظيم، فجمعها في أربع قواعد هي أساس إصلاح الأمم.

الأولى:
﴿يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ﴾.

أي يبلغهم وحي الله كما أنزل، فيحيي القلوب بالقرآن.

الثانية:
﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾.

فالكتاب هو القرآن، والحكمة هي السنة الصحيحة عند جمهور المفسرين.

فلا يكتمل الدين إلا بالوحيين جميعًا.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كما ثبت عند ابي داود وغيره:
(ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه).

الثالثة:
﴿وَيُزَكِّيهِمْ﴾.

أي يطهر قلوبهم من الشرك، والنفاق، والكبر، والحسد، وسائر أمراض القلوب، ويزكي أخلاقهم وأعمالهم.

فالغاية ليست كثرة المعلومات، وإنما صلاح القلب.

ولهذا قال صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق عليه:
(ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب).

وختم الدعاء بقوله:
﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾.

فهو العزيز الذي لا يغلبه شيء، والحكيم الذي يضع كل أمر في موضعه، فبعث خاتم الرسل في الزمان الذي شاء، وعلى الوجه الذي اقتضته حكمته البالغة.

رسائل الآيات إلى المسلم

الأولى: قبول العمل أعظم من العمل نفسه؛ فكم من عمل كبير رده الله، وكم من عمل يسير قبله وبارك فيه، فاسأل الله القبول دائمًا.
الثانية: كلما ازداد العبد طاعة ازداد خوفًا من التقصير، أما الإعجاب بالنفس فمن أعظم أسباب الحرمان.
الثالثة: أعظم دعاء للذرية أن تكون مسلمة لله ثابتة على التوحيد، فالهداية خير من كل متاع الدنيا.
الرابعة: العبادة لا تؤخذ بالعادات ولا بالأذواق، وإنما تؤخذ من القرآن والسنة.
الخامسة: العلم النافع هو الذي يثمر تزكية القلب واستقامة السلوك، لا كثرة المعلومات.
السادسة: بعثة النبي صلى الله عليه وسلم أعظم استجابة لدعوة إبراهيم عليه السلام، فمن أعرض عن سنته فقد أعرض عن أعظم نعمة امتن الله بها على البشرية.
السابعة: الأمة لا تبنى بالمباني وحدها، وإنما تبنى بالوحي، والعلم، والتزكية، والتربية على الإيمان.

إن هذه الآيات تشرح لنا أن أعظم البناة هم الذين يبنون مع الإخلاص، وأن أعظم الدعاء هو الدعاء بالقبول والثبات والهداية، وأن رسالة محمد صلى الله عليه وسلم هي أعظم منة امتن الله بها على عباده؛ لأنها أخرجت الناس من ظلمات الشرك والجهل إلى نور التوحيد والعلم والإيمان.

فمن أراد أن يسير على طريق إبراهيم ومحمد عليهما الصلاة والسلام، فليجعل القرآن إمامه، والسنة دليله، وليكثر من سؤال الله القبول والثبات حتى يلقاه.

معاني مفردات الآيات

القواعد: الأساسات التي يقوم عليها البناء.
تقبل منا: ارض عملنا واقبله وأثبنا عليه.
مسلمين لك: منقادين لك بالطاعة، مخلصين لك في العبادة.
أمة مسلمة: جماعة مستقيمة خاضعة لله وحده.
مناسكنا: عباداتنا وشعائرنا، ولا سيما أعمال الحج.
التواب: كثير القبول لتوبة عباده إذا رجعوا إليه.
الحكمة: السنة النبوية، وقيل: الفقه في الدين، وأول المعنيين هو الأشهر عند جمهور السلف في هذه الآية.
يزكيهم: يطهرهم من الشرك والذنوب ورذائل الأخلاق، وينميهم بالإيمان والعمل الصالح.




اقرأ أيضا



للتواصل معنا

فايس واتساب تويتر تلغرام