الوصية أمانة تحفظ الحقوق، وعدل يمنع الظلم، وإصلاح يرفع الإثم
[ضمن سلسلة نور القرآن الكريم - تفسير وتأملات آيات الذكر الحكيم، الحلقة رقم (59)]
بقلم الدكتور صادق بن محمد البيضاني
قال الله تعالى:
﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ ۖ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ ١٨٠ فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ ۚ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ١٨١ فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ١٨٢﴾.
ترشد الآيات إلى حكم عظيم من أحكام حفظ الحقوق وصيانة أموال الناس، وهو حكم الوصية عند قرب الموت.
فالله سبحانه لم يترك الإنسان يتصرف في ماله بعد موته بما يشاء، ولم يجعل الوصية مجالا للانتقام أو المحاباة أو الإضرار بالورثة، وإنما شرعها بالمعروف، وجعلها محكومة بالعدل والحق، ثم حذر من تبديلها، وفتح باب الإصلاح إذا وقع فيها ميل أو إثم.
قال سبحانه:
﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ﴾.
أي فرض عليكم وشرع لكم.
وهذا التعبير يدل على عظم شأن هذا الحكم، وأن المؤمن لا يتعامل مع الوصية على أنها أمر دنيوي محض، وإنما هي حكم شرعي يجب أن يراعى فيه أمر الله وحدوده.
ثم قال سبحانه:
﴿إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾.
أي إذا نزل به الموت وقرب أجله.
وفي هذا تذكير للمؤمن بأن الموت أمر لا بد منه، وأن العاقل لا يؤخر الحقوق إلى وقت قد لا يدركه.
ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم كما في الصحيحين:
(ما حق امرئ مسلم له شيء يوصي فيه، يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده).
فالمسلم الذي عليه حقوق، أو له أمانات، أو عنده أمر يحتاج إلى البيان، لا ينبغي أن يعيش غافلا عن الموت، ولا أن يؤخر بيان ما عليه وما له، فإن الإنسان لا يدري متى يأتيه أجله.
وليس المقصود من ذلك أن يعيش المؤمن في خوف واضطراب، وإنما المقصود أن يكون مستعدا للقاء الله، مؤديا للحقوق، مبرئا لذمته، حريصا على ألا يترك وراءه نزاعا أو حقا ضائعا.
ثم قال سبحانه:
﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا﴾.
أي إن ترك مالا.
وسمى الله المال خيرا؛ لأن المال في أصله نعمة إذا اكتسبه الإنسان من حلال وأنفقه في الحلال وأدى حق الله وحقوق عباده فيه.
فالمال ليس مذموما لذاته، وإنما المذموم أن يكون سببا في البخل والظلم وأكل الحقوق.
ثم قال سبحانه:
﴿الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ﴾.
أي أن تكون الوصية للوالدين والأقربين على وجه المعروف والعدل، بما لا ظلم فيه ولا تجاوز لحدود الله.
والمراد بالمعروف هنا ما كان موافقا للشرع، بعيدا عن الظلم والإضرار.
وقد جاءت آيات المواريث بعد ذلك فبينت أن الله سبحانه تولى بنفسه قسمة المواريث، فقال:
﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾.
فلا يجوز للإنسان أن يجعل الوصية وسيلة لتغيير ما فرضه الله للورثة، ولا أن يحرم وارثا من حقه، ولا أن يخص وارثا بمال يترتب عليه ظلم بقية الورثة.
ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم كما ثبت عند الترمذي وغيره:
(إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه، فلا وصية لوارث).
فمن كان وارثا فلا تكون له وصية تستعمل لتغيير فرض الله له أو لغيره، وإنما حقوق الورثة تثبت بما شرعه الله في الميراث.
ثم قال سبحانه:
﴿حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾.
أي أن القيام بهذه الوصية على وجهها المشروع حق لازم على أهل التقوى.
والمتقون هم الذين يقفون عند حدود الله، فلا يحملهم حب بعض أولادهم على ظلم بعض، ولا غضبهم من أحد أقاربهم على حرمانه من حقه، ولا رغبتهم في التحكم في أموالهم بعد موتهم على مخالفة شرع الله.
فمن التقوى أن يعلم الإنسان أن المال الذي في يده أمانة، وأنه سيحاسب على كيفية اكتسابه وإنفاقه والتصرف فيه.
ثم قال سبحانه:
﴿فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ﴾.
أي فمن غير الوصية بعد أن علمها وسمعها على وجهها الصحيح، فزاد فيها أو نقص، أو كتم شيئا منها، أو حرفها عن مراد صاحبها.
وهذا وعيد شديد لمن خان الأمانة؛ لأن الموصي قد مات ولا يستطيع أن يدافع عن وصيته، وقد ائتمن من علمها على حق لا يستطيع صاحبه المطالبة به.
فمن استغل ذلك ليأخذ مالا ليس له، أو ليحرم مستحقا من حقه، فقد جمع بين الخيانة وأكل المال بالباطل.
قال الله سبحانه:
﴿فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ﴾.
أي أن إثم التبديل والتحريف على من فعله، وليس على الموصي إذا كانت وصيته في أصلها مشروعة.
ثم قال سبحانه:
﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾.
فالله يسمع ما قيل في الوصية، ويعلم ما خفي من نيات أصحابها، ويعلم من بدل ومن حفظ الأمانة، ومن كتم ومن أدى الحق.
وهذه الآية تربي المؤمن على مراقبة الله في الحقوق الخفية التي قد لا يعلم بها الناس.
وقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم من أكل أموال الناس بالباطل، فقال كما في صحيح مسلم:
(من اقتطع حق امرئ مسلم بيمينه، فقد أوجب الله له النار، وحرم عليه الجنة، فقال له رجل: وإن كان شيئا يسيرا يا رسول الله؟ قال: وإن كان قضيبا من أراك).
فإذا كان هذا الوعيد في حق يسير، فكيف بمن يغير وصية كاملة، أو يحرم ورثة من حقوقهم، أو يأخذ مالا ليس له مستغلا موت صاحبه؟
ثم قال سبحانه:
﴿فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا﴾.
أي فمن علم من الموصي ميلا عن الحق في وصيته، أو علم أن وصيته تشتمل على إثم وظلم.
والجنف هو الميل عن الحق، وقد يكون من غير تعمد، كأن يخطئ الإنسان في تقدير ما يوصي به فيقع في ظلم بعض المستحقين.
وأما الإثم فهو أن تتضمن الوصية معصية أو ظلما متعمدا.
فقد يوصي الإنسان بحرمان أحد أبنائه لأنه لا يحبه، أو يوصي بإعطاء أحد الورثة ما يؤدي إلى ظلم البقية، أو يوصي بما لا يجوز شرعا، أو يوصي بماله كله على وجه يضر بحقوق من جعل الله لهم حقا.
فهنا لا يكون تنفيذ الظلم وفاء بالوصية، بل يكون منع الظلم هو الوفاء بحكم الله.
ثم قال سبحانه:
﴿فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ﴾.
أي فمن تدخل للإصلاح بين أصحاب الحقوق، ورد الوصية إلى العدل، وأزال ما فيها من ظلم أو إثم، فلا حرج عليه.
وهذا من رحمة الشريعة؛ فإنها لا تريد أن تتحول الوصية إلى سبب للنزاع بين الأقارب، وإنما تريد أن تكون وسيلة لحفظ الحقوق وصلة الأرحام.
والإصلاح هنا ليس أن يغير الإنسان الوصية بهواه، وإنما أن يردها إلى الحق والعدل وحكم الله.
ولهذا كان من أعظم الإصلاح أن يمنع الإنسان تنفيذ ما يخالف شرع الله، وأن يبين لأهل الميت حقوقهم، حتى لا يأكل بعضهم مال بعض بالباطل.
وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم كما في الحديث المتفق عليه:
(إنما أنا بشر، وإنكم تختصمون إلي، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، فأقضي له على نحو ما أسمع، فمن قضيت له من حق أخيه شيئا فلا يأخذه، فإنما أقطع له قطعة من النار).
فهذا الحديث يبين خطورة الحقوق، وأن القدرة على الحصول على المال بحجة أو وصية أو شهادة لا تجعل المال حلالا إذا كان في الحقيقة حقا لغيره.
ثم قال سبحانه:
﴿فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾.
أي فلا ذنب على من أصلح ومنع الظلم، بل هو محسن في فعله، ما دام إصلاحه قائما على الحق والعدل.
وهنا يظهر أن الشريعة لا تجعل احترام رغبة الموصي مقدما على حكم الله، وإنما احترام الموصي يكون بتنفيذ وصيته الصحيحة، ورد ما كان منها باطلا أو جائرا إلى حكم الله.
ثم ختم الله الآية بقوله:
﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.
فالله يغفر لعباده ما وقع منهم من خطأ إذا تابوا ورجعوا إلى الحق، ويرحمهم حين يشرع لهم من الأحكام ما يحفظ أموالهم وحقوقهم ويمنع عنهم الخصومة والظلم.
وهذه الآيات تعلم المؤمن أن الوصية ليست بابا للانتقام، ولا وسيلة للتحكم في الورثة، ولا طريقا للتهرب من أحكام المواريث، وإنما هي أمانة شرعية لا بد أن تكون بالمعروف.
كما تعلمنا أن المال وإن كان ملكا للإنسان في حياته، فإن الشريعة لم تترك له أن يتصرف بعد موته بما يخالف حقوقا فرضها الله.
فالحقوق التي فرضها الله لا يجوز للإنسان أن ينقضها برغبة شخصية، ولا أن يجعل وصيته سببا للعداوة بين أبنائه وأقاربه.
ومن كمال الشريعة أنها راعت حال الإنسان في حياته وبعد موته؛ فأمرته أن يؤدي الحقوق، وأن يكتب وصيته، وأن يلتزم بالمعروف، ثم حفظ وصيته من التبديل، ثم لم تسمح بأن تتحول الوصية الجائرة إلى ظلم مستمر، فأمرت بالإصلاح.
وهكذا اجتمعت في هذه الآيات ثلاثة معان عظيمة:
الأمانة في الوصية، والعدل في الحقوق، والإصلاح عند وقوع الظلم.
فالوصية أمانة، وتغييرها خيانة، والوصية الجائرة لا تنفذ في ظلمها، والإصلاح بين أهل الحقوق من الأعمال المشروعة التي تمنع الخصومة وتحفظ أموال الناس.
رسائل الآيات إلى المسلم
الأولى: تذكر الموت قبل أن يأتيك، وبادر إلى أداء الحقوق وكتابة ما تحتاج إلى بيانه، ولا تؤجل ما تستطيع فعله اليوم إلى غد قد لا تدركه.
الثانية: اجعل وصيتك موافقة لشرع الله، ولا تجعلها وسيلة للانتقام من أحد، أو المحاباة لبعض أولادك، أو الإضرار بمن لا تحب.
الثالثة: اعلم أن المال أمانة، وأنك ستسأل عنه؛ فلا تأكل مالا ليس لك، ولا تستغل موت صاحبه لتغيير وصيته أو كتمان حق.
الرابعة: احذر أن تظلم ورثتك بحجة الوصية؛ فإن الله هو الذي فرض المواريث، وليس لأحد أن يجعل وصيته وسيلة لتغيير فرائض الله.
الخامسة: إذا ائتمنك إنسان على وصيته، فاعلم أنك تحمل أمانة عظيمة، وأن الناس قد لا يعلمون ما غيرت أو كتمت، لكن الله سميع عليم.
السادسة: إذا رأيت في وصية جنفا أو إثما، فلا تكن عونا على الظلم، بل اسع في الإصلاح ورد الأمر إلى الحق والعدل وحكم الله.
السابعة: لا تجعل المال سببا في قطيعة الرحم والخصومة بين الأبناء والأقارب؛ فالدنيا زائلة، والمال باق بعد صاحبه، وإنما الذي يبقى له عمله.
معاني مفردات الآيات
كُتِبَ عليكم: فرض عليكم وشرع لكم.
حضر أحدكم الموت: قرب منه الموت ونزلت به أسبابه.
خيرا: مالا.
الوصية: ما يوصي به الإنسان من أمر مشروع ينفذ بعد موته.
الأقربين: أقارب الإنسان.
بالمعروف: بالعدل وما وافق الشرع، من غير ظلم ولا تجاوز.
حقا: أمرا ثابتا مؤكدا.
المتقين: الذين يخافون الله ويلتزمون أوامره ويجتنبون نواهيه.
بدله: غيره وحرفه عن وجهه.
سمعه: علمه واطلع عليه.
إثمه: ذنبه وعقوبة فعله.
يبدلونه: يغيرونه ويحرفونه عما أوصى به صاحبه.
سميع: يسمع جميع الأقوال، فلا يخفى عليه ما قيل في الوصية.
عليم: يعلم الظاهر والباطن، ولا يخفى عليه شيء من أعمال العباد ونياتهم.
موص: من أوصى بشيء بعد موته.
جنفا: ميلا عن الحق، وقد يكون بغير قصد.
إثما: ظلما أو معصية متعمدة.
فأصلح بينهم: أصلح ما وقع من خلل أو ظلم، ورد الأمر إلى الحق والعدل.
فلا إثم عليه: فلا ذنب على من قام بالإصلاح ومنع الظلم.
غفور: كثير المغفرة لمن تاب ورجع إلى الحق.
رحيم: واسع الرحمة بعباده، يشرع لهم ما فيه صلاحهم.