أحكام صيام يوم عاشوراء، ومنها حكمه إذا صادف يوم السبت
بقلم الدكتور: صادق بن محمد البيضاني
يَومُ عاشوراء هو اليومُ العاشرُ من شهرِ اللهِ المُحرَّم، وله فَضْلٌ عظيمٌ ومكانةٌ جليلةٌ في الإسلام، فقد كان النبيُّ -عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ- يحرص على صيامِه، ورغَّب أُمَّتَه فيه، لما فيه من تكفيرٍ للذُّنوب، فقد أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن أبي قتادة رضي الله عنه، أن رسولَ اللهِ -صَلَّى الله عليه وسلم- سُئل عن صيامِ يومِ عاشوراء، فقال: "يُكَفِّرُ السَّنَةَ الماضيةَ".
قلتُ: قد تكون سنة موسميَّة. قال الإمام النووي كما في شرح مسلم (8/51): "قال العلماء: المراد من التكفير بالصوم كصوم يوم عرفة وعاشوراء ونحوهما الصغائر، فإن لم تكن صغائر رُجي التخفيف من الكبائر، فإن لم يكن رفعت درجات، وقالوا: ولا يُكفِّر الصوم وغيره من العبادات الكبائرَ إلا باجتناب الصغائر أو توبة خاصة".
وفي رواية لا بأس بها عند ابن حبان من حديث أبي قتادة أيضا بلفظ: "ذاك صومُ سنة".
ويفسر هذه الرواية ما سبق من قول النبي صلى الله عليه وسلم: "يكفر السنة التي قبله"، وقيل أن المقصود الترغيب فيه، وقيل إثبات أنه سنة مؤكدة، وقيل كأجر صيام سنة، والأول أقوى.
وقد ثبت في الصحيحين من حديث عائشة -رضي الله عنها- قالت: "كان يومُ عاشوراء تصومُهُ قريشٌ في الجاهلية، وكان رسولُ اللهِ -صلَّى الله عليه وسلم- يصومُه، فلما قَدِمَ المدينةَ صامَهُ وأمر بصيامِه".
قلتُ: وقد أُمِر به في المدينة قبل فَرْضِيَّةِ صيام رمضان، فقد جاء في الصحيحين عن عبدِ اللهِ بنِ عباس -رضي الله عنهما- قال: "قَدِمَ النبيُّ -صَلَّى الله عليه وسلم- المدينة، فرأى اليهودَ تصومُ يومَ عاشوراء، فقال: ما هذا؟ قالوا: هذا يومٌ صالحٌ، هذا يومٌ نجّى اللهُ فيه بني إسرائيلَ من عدوِّهم، فصامه موسى، قال: فأنا أحقُّ بموسى منكم، فصامَهُ، وأمرَ بصيامِه".
قال شيخُ الإسلام ابنُ حجر في الفتح (4/247): "كان صومُه في أولِ الأمرِ واجبًا، ثم نُسخ بفرضِ رمضان، وبقي صومُ عاشوراء مستحبًّا."
مراتبُ صيامِ يومِ عاشوراء
اختلف العلماءُ في مراتبِ صيامِ عاشوراء، بناءً على مجموع الأحاديث، وأشهرها ما قاله الإمام ابن القيم رحمه الله، حيث ذكر أن صيام عاشوراء يكون على ثلاث مراتب:
المرتبة الأولى: وهي أكملُ المراتب - حسب كلامه -: أن يُصام اليومُ التاسعُ والعاشرُ والحادي عشر، لِفعلِ ابنِ عباس رضي الله عنهما، ولأن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "صُومُوا قَبْلَهُ يومًا وبعدَهُ يومًا، خالِفوا اليهود".
قلت: حديث: "صوموا عاشوراء، وخالفوا فيه اليهود، صوموا يوما قبله ويوما بعده"، وفي رواية: "أو يوما بعده" فهو حديث ضعيف، وفيه اضطراب، وقد غلط من حسنه.
وأما أثرُ ابن عباس، فقد جاء عنه أنه قال: "صوموا التاسعَ والعاشرَ، وخالِفوا اليهودَ، صوموا قبلهُ يومًا وبعدهُ يومًا"، وقد ذكره ابنُ حجر في فتح الباري (4/289) وقال: "رواه البيهقي بإسنادٍ حسنٍ."
المرتبة الثانية: أن يُصام التاسعُ والعاشرُ لِما ثبت في صحيح مسلم أن النبي -عليه الصلاة والسلام- قال: "لَئِنْ بَقِيتُ إلى قابلٍ لأَصُومَنَّ التاسع".
المَرتبةُ الثَّالثةُ: أن يُصام العاشرُ وحدَه. وهو جائزٌ ومُجزِئٌ، وله فَضلٌ عظيمٌ، وإن كان أدنى المراتب، عملًا بما جاء في الصحيحين عن عبدِ اللهِ بنِ عباسٍ -رضي الله عنهما- قال: "قَدِمَ النبيُّ -صَلَّى الله عليه وسلم- المدينةَ، فرأى اليهودَ تَصومُ يومَ عاشوراء، فقال: ما هذا؟، قالوا: هذا يومٌ صالِحٌ، هذا يومٌ نَجّى اللهُ فيه بني إسرائيلَ من عدوِّهم، فصامَهُ موسى، قال: فأنا أحقُّ بموسى منكم، فصامَهُ، وأمرَ بصيامِه".
قال الإمام النووي في المجموع (6/286): "أجمعَ العلماءُ على أن صومَ يومِ عاشوراء ليس بواجبٍ، وإنّما هو مُستحبٌّ استحبابًا شديدًا".
قلت: لا يصح من المراتب سوى المرتبة الثانية والثالثة، وأما الأولى فلا يصح فيها شيء عن النبي عليه الصلاة والسلام، وأما ما فعله ابن عباس فهو اجتهاد منه.
شبهة والرد عليها:
قال بعض الروافض كيف يقول النبي -صلى الله عليه وسلم- قبل موته: "لَئِنْ عِشْتُ إلى قابِلٍ لَأَصُومَنَّ التَّاسِعَ" بعدما قال له الصحابة: يا رسول الله، إنه يوم تعظمه اليهود والنصارى.
كيف ذلك، وهو يعلم أنهم يصومونه ألا يدل على تناقض حديث أنه مر عليهم، ووجدهم يصومونه وخصوصا أنه مر على اليهود قبل أن يفرض رمضان فصامه، وأمر بصومه ولم يأمر بمخالفتهم فلماذا تأخرت المخالفة إلى قبل موته؟
والجواب: نعم صام زمنا ولم يخالفهم، ثم لما ذكر له الصحابة تعظيم اليهود والنصارى، وهو يعلم ذلك مسبقا، أشار للصحابة بمخالفتهم وهكذا هو التدرج في الأحكام، ولا يحق الاعتراض عليها، بل يلزم التسليم، ولا يلزم شرعا مخالفة اليهود والنصارى في كل شيء، وإنما فيما جاء به النص، سواء كان متدرجا أو غير ذلك فإن لحم الخنزير والدم محرم في ديانة اليهود والنصارى والختان عندنا وعند اليهود، ومثلها أحكام القصاص في التوراة، وأقرها الإسلام وهلم جرا.
وقد كانت القبلة زمنا إلى بيت المقدس، ثم تحولت إلى مكة، فلا تناقض بين الحديثين.
حُكمُ صيامِ يومِ عاشوراء إذا صادف يومَ السبت
يرى داودُ الظاهريُّ وابنُ حزمٍ، وذكره العيني في كتابه شرح معاني الأخبار عن جماعة من السلف كطاووس وإبراهيم النخعي وطلق بن حبيب، وتبعَهم الألبانيُّ وبعضُ طلابِه أن صيامَ يومِ السَّبتِ محرَّمٌ مُطلقًا، إلا إذا كان صيامَ واجب، مثل رمضان، أو الكفّارة، أو النذر، عملًا بالحديثِ الصحيح الذي أخرجه الترمذي، وأبو داود، وابن ماجه، وغيرهم: عن عبدِ اللهِ بنِ بُسْرٍ، عن أُخته، أنَّ رسولَ اللهِ -صَلَّى الله عليه وسلم- قال: "لا تَصُومُوا يومَ السَّبْتِ إلا فيما افترضَ اللهُ عليكم، فإن لم يجدْ أحدُكم إلا لِحاءَ عنبةٍ أو عودَ شجرةٍ، فَلْيَمْضُغْهُ" وهذا حديثٌ صحيح، وقد أخطأَ من قال بتضعيفه أو نَسْخِه.
أما جمهورُ العلماء، فلا يرون بالتحريم، وبعضُهم يُضعِّفون الحديث بغير حُجَّةٍ حديثيةٍ سليمة، وبعضُهم يُؤَوِّلُه بما لا يشملُ الكراهةَ في حالِ الموافقةِ لعادَةٍ أو نيَّة، وبعضُهم يقول: يجوزُ صيامُ السبتِ لمن صام قبله أو بعده، عملًا بما جاء في الصحيحين: عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: سمعتُ النبيَّ -عليه الصلاة والسلام- يقول: "لا يَصُومَنَّ أحدُكم يومَ الجُمُعةِ إلا يومًا قبلَه، أو بعدَه" ولما حديث أخرجه البخاري في صحيحه عن جُوَيْرِيَةَ بنتِ الحارث -رضي الله عنها- أنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- دخل عليها يومَ الجمعةِ وهي صائمة، فقال: "أصُمْتِ أمسِ؟" قالت: لا، قال: "تُريدين أن تصومي غدًا؟" قالت: لا، قال: "فأفطري".
وأيضًا جاء في الصحيحين عن عبدِ اللهِ بنِ عمرو بنِ العاص -رضي الله عنهما- أن النبي -صَلَّى الله عليه وسلم- قال: "أحبُّ الصيامِ إلى اللهِ صيامُ داودَ، كان يصومُ يومًا، ويُفطرُ يومًا".
وخُلاصةُ مذاهب العلماء في هذه المسألة على ثلاثةِ أقوال:
الأول: منهم من قال: يجوز صيامُ عاشوراء وحده، وإن صادف يومَ السبت، لكونه مخصوصًا بسُنَّة نبويةٍ مؤكَّدة، لحديث ابن عباس الذي في الصحيحين، كما في المرتبة الثالثة.
الثاني: منهم من قال: إن صادفَ يومَ السبت، فعليه أن يصوم يومًا قبلَه أو بعدَه، لحديث أبي هريرة، وحديث جويرية، وحديث عبد الله بن عمرو كما تقدم.
الثالث: منهم من قال: يحرُم صيامُ يومِ السبت، لحديث عبد الله بن بُسر، حتى وإن كان يومَ عرفة أو عاشوراء، لكونهما من الصيامِ المستحبِّ الجائز، ومن أفطرهما فأجرُه كأجرِ من صامَهما بالنيَّة، لولا النهي.
وهذا القول الأخير أقوى، فحديثُ ابن بُسر يدلُّ على الحظر، وبقية الأحاديثِ السابقة كلها تدلُّ على المُبِيح والجواز.
وفي هذه الحالة يتم إعمال قاعدة: "الحَظْرُ مُقدَّمٌ على المُبِيح" لِكون الحظر يتعلَّق به إثمٌ ونارٌ، والمُبِيح أو الجائز أكثر ما يُقال فيه: يُثاب فاعلُه، وإذا تردَّد الحكمُ بين الحظر والمُبِيح قُدِّم الأقوى، وهو الحَظْر.
وحاصلُ الخلاصة:
من صام يوم عاشوراء الذي صادف السبت، فحُكمه على مَن أفتاهُ، ولا تثريبَ عليه ما دام لا يملك آلةَ الترجيح، ومن ترك فقد عمل بالراجح.
كما أنه لا ينبغي لطلابِ العلمِ أن يُقيموا ولاءً أو براءً أو فُرقة بسبب اختلاف العلماء في هذه المسألة، فهي مسألةٌ يُسوغ فيها الاجتهاد.
وفق الله الجميعَ لطاعتِه، وألهمهم رُشدَهم.
حرر بتاريخ 8 محرم 1447 هجرية