الأحد 10 شوال 1447 هـ || الموافق 29 مارس 2026 م


قائمة الأقسام   ||    مختصر المنتقى من الفتاوى وزياداته    ||    عدد المشاهدات: 6145

 

حكم بيع العملات الرقمية الإلكترونية عبر النت مثل البتكوين، وبدائل العملات كاللايت كوين والبت كوين كاش والاثير والريبل، ومثل القسائم التي تعتبر أصولاً قابلة للاستبدال والتداول بالسلع والعملات المشفرة

بقلم: الدكتور صادق بن محمد البيضاني


س 171: شيخنا الدكتور صادق بن محمد البيضاني أطال الله في عمره على الطاعة وبارك الله فيه، نرجو من فضيلتكم بيان حكم بيع العملات الرقمية الإلكترونية عبر النت مثل البتكوين، وبدائل العملات كاللايت كوين والبت كوين كاش والاثير والريبل، ومثل القسائم التي تعتبر أصولاً قابلة للاستبدال والتداول بالسلع والعملات المشفرة؟ فقد حار الشباب المسلم في أمرها في أوروبا لانتشارها في الأوساط بكثرة، حتى دخلت البلاد العربية وغير العربية عبر المواقع الالكترونية، وجزاك الله عنا وعن المسلمين خيراً.


ج 171: تعتبر هذه العملات الرقمية كلها مما لا يجوز التعامل به لا شراءً ولا بيعاً سواء كانت بتكوين، أو بدائل العملات كاللايت كوين والبت كوين كاش والاثير والريبل وسواء كانت مشفرة أو غير مشفرة أو قسائم قابلة للاستبدال والتداول بالسلع، وهذا المنع لعدة أسباب:

الأول: أن العملات الورقية مثل الريالات والدراهم والدنانير التي نتعامل بها لها غطاء احتياطي يمثلها فهي تطبع بناء على الاحتياطي من النقدين الذهب أو الفضة أو أي مال حقيقي آخر أمكن أن يكون حقيقياً قابلاً للتقابض، ولولا هذا الاحتياطي لكانت ورقاً لا قيمة لها، بخلاف هذه العملات الرقمية الإلكترونية فهي مجرد عملة مسماة بالنت مشفرة أو غير مشفرة لا غطاء لها فلا قيمة لها، وكل ما ليس له احتياطي فهو مجرد عملة غير شرعية لم يأذن بها الله، ومال وهمي لا يمكن فيه التقابض، وليس بصحيح أن بعضها مغطى لأنها لا توجد حكومة في العالم حتى الآن عملت له احتياطي لا من ذهب ولا فضة ولا من أي مال حقيقي آخر، وأما الترويج بأن السويد واليابان سيعتمدان ذلك فهو إشاعة لا صحة لها ولو صح ذلك للزمهما دولياً تغطية ذلك بالاحتياطي وهذا سيكون مستقبلاً بحقهما لو تم مغامرة، بخلاف العملات الورقية فهي في مقام مال حقيقي شرعاً لكونها تمثل احتياطيا مغطى من الذهب والفضة أو ما قام مقامهما مما يمكن فيه التقابض.

ثم أسعار هذه العملات الرقمية مذبذب بشكل كبير ومفتعل لا يقوم على أسس سليمة فتارة تسقط قيمة العملة بقوة وتارة ترتفع بقوة، بخلاف العملة الورقية فانخفاضها وارتفاعها معقول قائم على أسس صحيحة مشاهدة بحيث ترتفع شيئاً يسيراً تدريجياً  بقوة الاقتصاد واتزان سياسة الدولة وعدم التضخم وتنخفض شيئاً يسيراً تدريجياً بضعف ذلك وبالحروب ونحوها من الاسباب الحقيقية المشاهدة.

وللأسف صارت بعض هذه العملات تباع في بعض المحلات في بلادنا الإسلامية رغم أنها رقمية محضة ولا توجد حكومة حتى الآن تشرف عليها وتضمن حقوق من يخوض غمارها في حال انتكاسة الشبكة العنكبوتية، لأن العملات الورقية تصدر من بنوك مركزية حكومية دولية معترف بها بعد وضع الاحتياطي اللازم لكل عملة، فهي خاضعة لتشريعات وقوانين وأما هذه العملات الرقمية فهي تصدر عن أفراد أغلبهم مجهولون، وليست خاضعة لتشريعات وقوانين، بمعنى أن هذه العملات الرقمية ليس لها أي تكلفة حقيقية سوى مبرمج أو أكثر قاموا باختراع هذه المواقع وعملوا هذه العملات الرقمية لأجل أن يتكسبوا ثم تطور الأمر حتى تم الترويج لها من خلال بعض رواد الشبكة العنكبوتية.

ولا يقول قائل مقارنة واحتجاجاً إن أمريكا أهملت الحظ الأوفر من احتياطي الذهب وصارت تطبع الدولار بغير غطاء متكامل من الاحتياطي أو فكه كلياً منذ عام 1971م بما عرف من صدمة نيكسون إذ صنيعها لا يعني أنها صاحبة شرع أو قانون معتمد دولياً في هذا المجال لولا قوة السلاح والهيمنة العالمية في العصر الحديث، حتى جرت بعض الدول الكبرى مجراها بتواطئ دولي.

الثاني: ما دام ثبت أن هذه العملات الرقمية الالكترونية لا غطاء لها فالتعامل بها من باب الغش والخداع المحرم شرعاً.

الثالث: أن من يروج لها فإنما يروج لما حرمه الله مما لا قيمة له ولا غطاء ولا احتياطي مسانداً للخداع والغش ومتعاوناً على الإثم والعدوان، قال تعالى: "وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان".

الرابع: أن كل من يدخل للمواقع لأجل الإشتراك في العملات الرقمية الإلكترونية فإنه يلزمه أن يشتري محفظة من خلال المنصة الإلكترونية بحيث تكون خاصة على حاسوبه، والمحفظة عبارة عن عملات رقمية إلكترونية لا احتياطي لها مقابل مبلغ ورقي ذات احتياطي وهو العملة الورقية، فهذا من البيع الذي لا قيمة له شرعاً، ثم هو الزام ما لا يلزم شرعاً، فإن البيع والشراء شرعاً ليس فيه الزام دفع مبالغ لأجل قبوله في الاشتراكات ذات البيوع والشراء.

فالذي اشترى هذه العملات أو اشترك في الموقع الإلكتروني كان شراؤه مخصصاً أو اشتراكه لأجل أن يكون منتفعاً مما لا غطاء له، والموقع شرط عليه الشراء أو الإشتراك مقابل دفع ما له قيمة من العملات الورقية وإلا فلا يدخل ولا يشارك، وهذا شرط باطل، وهو أيضاً من الحيلة لأجل الحصول على المال الحقيقي باسم الشراء أو الاشتراك، ولم يجوز أحد من أهل العلم دفع رسوم أو شراء منتج له قيمة غير قيمته الحقيقة فضلا عما ليس له قيمة لأجل الاشتراك، بل هذا شرط محدث أحدثته هذه المواقع الالكترونية، وألزمت به من لا يأخذ الحيطة من الوقوع في المحرمات والشبهات، ولا أصل له شرعاً، وفي حديث عائشة مرفوعاً قال النبي عليه الصلاة والسلام: "فما بال رجالٍ يشترطون شروطًا ليست في كتاب الله، ما كان من شرط ليس في كتاب الله فهو باطل، وإن كان مائة شرط" أخرجه البخاري في صحيحه.

الخامس: أنه يشترك الكثير في مواقع العملات الرقمية الإلكترونية لا لأجل شراء السلع المباحة والاستفادة منها، وإنما الحصول على هذه العملات التي لا غطاء لها، والتي من خلال الخوض في ذلك قد يحصل على قيمات معينة تخوله لشراء منتجات أو تحويلها لعملات حقيقية عبر الوسائط بما جمعه من العملات فربحه هذا من أصل لا غطاء له شرعاً، فهو أشبه ما يكون بالميسر.

وقد يحصل على نتيجة تعبه وقد لا يحصل، وقد يساوي ما تعبه مع ما حصل عليه، وبالتالي فهذا هو الميسر، لأنه قائم على الحظ والنصيب، وقد قال الله عز وجل في كتابه الكريم: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّمَا الخَمْرُ وَالمَيْسِرُ وَالأَنْصَابُ وَالأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ".

ومن المعلوم أن الميسر ما يكون المشارك فيه غانماً أو غارماً، وهذا التعامل مع هذه المواقع متردد بين الأمرين.

السادس: هذا الإشتراك في هذه المواقع باب من أبواب الربا، وذلك لأن شراء من دخل بنية الإشتراك للربح إنما دفع مبلغ الشراء أو الإشتراك لأجل يحصل على عائدات ولم يقصد الانتفاع بسلعة.

والربا هو: زيادة لأحد المتعاقدين، خالية عمّا يقابلها من العوض.

فلو قلنا للقائم على الموقع الالكتروني لماذا أذنت لهذا المشترك بالاشتراك لقال لنا لأنه دفع القيمة الإلزامية للاشتراك ولن يقول لك الموقع لأنه اشترى، لماذا؟ لأن شراءه أو اشتراكه إلزامي لأجل أن يكون مشتركاً في الموقع، إذن دفع مبلغاً للحصول على أكثر أو قد يحصل على أقل مما دفع فهو مشترك مرابي، لأن الموقع سيقول له لن نعوضك بعد دفع القيمة الإلزامية.

لهذا صار هذا الإشتراك لدى الموقع مجرد وسيلة وحيلة لأجل جمع الأموال ذات القيمة الإحتياطية بعملات وهمية رقمية إلكترونية لا احتياطي لها.

فيحصل على أقل وهذا هو النقص أو على أكثر وهذه هي الزيادة من هذه المقامرة الالكترونية، وهذا هو الربا، وفي الحديث الصحيح عند البخاري قال عليه الصلاة والسلام: "فمن زاد أو استزاد فقد أربا".

السابع: أن الشريعة قائمة على التقابض وهذه العملات الإلكترونية مجرد رقمية لا يمكن بأي حال أن تكون في حكم التقابض لأنها أرقام يتم تحويلها عند بلوغها في المحفظة حد الاستفادة فيحولها الشخص إلى عملة حقيقية من خلال سحبها عبر الوساطات كالبيبال أو بطاقة الفيزا الائتمانية فلو كانت عملة حقيقية لما أمكن تحويلها إلى عملة حقيقية إلى دولار أو يورو ولأمكن التقابض فيها، ومن هنا قال النبي عليه الصلاة والسلام في ما أخرجه الامام مسلم في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: "الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير والتمر بالتمر، والملح بالملح مثلاً بمثل، سواء بسواء يداً بيد، فمن زاد أو استزاد فقد أربا".

فإيجاد عملة رقمية من غير تغطية حقيقية ومن غير إمكان قبضها منافي للمال الذي رزقه الباري سبحانه هؤلاء البشر، ولذا ستتسبب هذه العملة الرقمية في دمار الإقتصاد وخراب الأوطان واختلال الأوزان بمجرد أن يعلن القائمون على هذه العملة من خلال موقعهم أو المجتمع الدولي أنه لا قيمة لها فيخسر الكل جميع ما لديه من الأموال الوهمية، لأنها إيجاد شيء من لا شيء لانعدام التغطية ولعدم إمكان التقابض.

لكن لو فرضنا أن المجتمع الدولي مستقبلاً اعتمدها في كل الدول وغطاها بأحد النقدين الذهب أو الفضة فإنها ستكون عملة شبهة حقيقية ولا محيد عن التعامل بها للحاجة مع إنكار كونها عملة حقيقية وإنما باعتبار التغطية تكون سندات ملكية يمكن التعامل بها في شراء المنتجات، لكن لا يعني ذلك أنها حالياً على ما هي عليه جائزة بل يحرم التعامل بها مطلقا للأسباب المتقدمة ذكرها، وبالله التوفيق. 




اقرأ أيضا



للتواصل معنا

فايس واتساب تويتر تلغرام