حكم التهنئة بالجمعة والأعياد ونحوها
بقلم الدكتور: صادق بن محمد البيضاني
س 193: هل تجوز التهنئة بالجمعة أو بالأعياد أو غير ذلك؟
ج 193: أما التهنئة بيوم الجمعة بعبارة: "جمعة مباركة" فهذه تهنئة تتعلق بعبادة وهي الفرح بفرضية الجمعة وما فيها من فضل الطاعات وتكفير السيئات وذلك أن يوم الجمعة عيد من أعياد المسلمين، ولذا فالمهنئ بهذا اليوم قصد بها الفرح التعبدي وليس مجرد عادة، وقد سبق أن قلت في فتوى سابقة: "لا يصح في التهنئة بيوم الجمعة دليل، ولا هنأ بذلك النبي عليه الصلاة والسلام ولا صحابته ولا أهل القرون المفضلة ولا أهل القرون المتلاحقة، وقد بدأت هذه التهنئة المخترعة من خلال الشيعة والصوفية منذ عشرات السنين ثم دخلت على العوام فتناقلوها، وقد جاء في التهنئة بهذا اليوم حديث مكذوب عن ابن عباس أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: "من لقي أخاه عند الانصراف من الجمعة فليقل تقبل الله منا ومنك، فإنها فريضة أديتموها إلى ربكم"، وهذا الحديث من الكذب على رسول الله عليه الصلاة والسلام.
وقد ذكر هذا الحديث المكذوب علي بن محمد الكناني في كتابه "تنزيه الشريعة المرفوعة عن الأحاديث الشنيعة الموضوعة" وعزاه لتاريخ أصبهان، وهو من طريق نهشل بن سعيد بن وردان النيسابوري دجال من الدجاجلة، كان يكذب على رسول الله عليه الصلاة والسلام.
ولم أجد لأحد من المتقدمين من رأى جوازها كما ذكرت ذلك في كتابي "أحكام التهنئة في الإسلام".
وأما التهنئة بالأعياد فقد صح ذلك في عيدي الفطر والأضحى دون غيرهما من الأعياد الأخرى عن بعض الصحابة وبعض التابعين لكن لا يصحُّ عن النبي -صلى الله عليه وسلم- شيء في التهنئة، وقد ورد في ذلك حديث ضعيف عند البيهقي في "السنن الكبرى" عن خالد بن معدان قال: لقيت واثلة بن الأسقع -رضي الله عنه- يوم عيدٍ فقلت: تقبل الله منا ومنك، فقال: نعم، تقبل الله منا ومنك، لقيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في يوم عيد فقال: "تقبل الله منا ومنك" وهو ضعيف جداً(1).
وقد جاء ما يخالف هذا الحديث مرفوعًا إلا أنه ضعيف جداً، وهو عند البيهقي في "السنن الكبرى" عن عبادة بن الصامت -رضي الله عنه- قال: "سألت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن قول الناس في العيدين: تَقَبَّلَ اللهُ مِنَّا ومِنْكُم؟ فقال: كذلك فِعْلُ أهل الكتابَين(2)، وكرهه"(3).
والذي صح كما تقدم في التهنئة بالعيدين عن بعض السلف كالصحابة والتابعين لما أخرجه أبو أحمد الفرضي في مشيخته والمحاملي في كتاب صلاة العيدين(4) عن جبير بن نفير قال: "كان أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إذا التقوا يوم العيد يقول بعضهم لبعض: تقبل الله منا ومنك" وهو أثر حسن.
وصح أيضاً غير هذا الأثر، وأنا أنصح السائل أن يرجع إلى كتابي الذي حققته للسيوطي وهو وصول الأماني بأصول التهاني(5) وقد طبع في مجلد لكوني أطلت التخريجات، فقد ذكرت هذه الروايات وغيرها وبينت صحيحها وضعيفها، وحين منّ الله علينا بدراسة الدكتوراه جعلت عنوان الرسالة "أحكام التهنئة في الإسلام" وبسطت الكلام من ناحية حديثية وفقهية واجتماعية وتاريخية، وقد طبع الكتاب في أكثر من سبعمائة صفحة مع الفهارس بدار اللؤلؤة ببيروت.
وقد ذهب جمهور الفقهاء إلى مشروعيّة التّهنئة بالعيدين من حيث الجملة، ولا بأس بذلك لكونه صح من فعل السلف، وعليه فلا ينكر على من فعله أو تركه.
وأما التهنئة بالأمور الأخرى فمنها ما صح ومنها ما لم يصح، ومنها ما فيه سعة، ومنها ما لا يجوز، وقد فصلته في كتابي المذكور: "أحكام التهنئة في الإسلام"، وبالله التوفيق.
___
([1]) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى [كتاب صلاة العيدين، باب ما رُوي في قول الناس يوم العيد بعضهم لبعض: تقبل الله منا ومنك (3/319 رقم 6088، 3/320 رقم(6089)] وقال البيهقي: لا أراه محفوظاً، وفي إسناده: محمد بن إبراهيم الشامي, وهو منكر الحديث، كما في الكامل لابن عدي (7/ 524 رقم 1755)، فالحديث ضعيف جداً.
[(2)] اليهود والنصارى.
[(3)] أخرجه البيهقي في السنن الكبرى [كتاب صلاة العيدين، باب ما روي في قول الناس يوم العيد بعضهم لبعض: تقبل الله منا ومنك (3/319)]، وأورده الذهبي في الميزان (4/253) عند ترجمة عبد الخالق بن زيد، وقال: قال النسائي: ليس بثقة، وقال البخاري: منكر الحديث. اهـ، وفي الحديث علة أخرى: وهي الانقطاع بين مكحول وعبادة.
[(4)] أخرجه المحاملي في كتاب صلاة العيدين (2/129).
[(5)] وصول الأماني بأصول التهاني، للحافظ جلال الدين السيوطي، تحقيق: د. صادق البيضاني، الناشر: دار الأخيار، الرياض، الطبعة الأولى، 1424هـ، (ص174).