الأحد 10 شوال 1447 هـ || الموافق 29 مارس 2026 م


قائمة الأقسام   ||    مختصر المنتقى من الفتاوى وزياداته    ||    عدد المشاهدات: 6801

حكم تارك الصلاة مع أنه يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله
بقلم الدكتور: صادق بن محمد البيضاني


س582: ما حكم تارك الصلاة مع أنه يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله؟

ج582: كنت أرى سابقاً منذ صغر سني قبل ربع قرن أن تارك الصلاة كافر خارج عن الملة الإسلامية، ثم تبين لي خلاف ذلك ما دام تركها تكاسلاً ولم يجحد فرضيتها موافقةً لشيخنا الألباني وقبله الإمام البخاري وأكثر أهل العلم. 

وقد استدل القائلون بكفر تارك الصلاة بجملة أدلها، أشهرها:

قول الله عز وجل: "فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ"(1).

حيث قالوا هذه الآية تنص على أن الأخوة بيننا وبين المشركين لا تتم إلا بالتوبة من الشرك وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة فإن لم يقيموا الصلاة فليس بإخواننا.

وبقوله تعالى: "فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ(2) أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً(3) إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ شَيْئاً"(4).

حيث قالوا قوله تعالى: إلا من تاب وآمن - يدل على أن من أضاع الصلاة بمعنى تركها ليس من المؤمنين التائبين.

وبما أخرجه مسلم في صحيحه من حديث جابر قال: قال النبي عليه الصلاة والسلام: "إن بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة"(5).

وبما جاء في المسند وعند الأربعة من حديث عن بريدة بن الحصيب رضي الله عنه، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول: "العهد الذي بيننا وبينهم(6) الصلاة فمن تركها فقد كفر"(7).

حيث قالوا هذا بمعنى الكفر المخرج عن الملة.

وبما أخرجه الترمذي والحاكم وصححه على شرطهما عن عبد الله بن شقيق أنه قال: "كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم لا يرون شيئا من الأعمال تركه كفر غير الصلاة"(8).

وقال إسحاق بن راهويه الإمام المعروف: "صح عن النبي صلى الله عليه وسلم، أن تارك الصلاة كافر، وكذلك كان رأي أهل العلم من لدن النبي صلى الله عليه وسلم، إلى يومنا هذا، أن تارك الصلاة عمدًا من غير عذر حتى يخرج وقتها كافر"(9).

وذكر ابن حزم أنه قد جاء عن عمر وعبد الرحمن بن عوف ومعاذ بن جبل وأبي هريرة وغيرهم من الصحابة قال: "ولا نعلم لهؤلاء مخالفًا من الصحابة. نقله عنه المنذري في (الترغيب والترهيب) وزاد من الصحابة: عبد الله بن مسعود وعبد الله بن عباس وجابر بن عبد الله وأبا الدرداء رضي الله عنهم". قال: "ومن غير الصحابة أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وعبد الله بن المبارك والنخعي والحكم بن عتيبة وأيوب السختياني، وأبو داود الطيالسي، وأبو بكر بن أبي شيبة، وزهير بن حرب وغيرهم"(10).

وأما حجج القائلين بأنه لا يكفر إلا الجاحد فإليك أشهرها:

أولاً: قوله تعالى: "إنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ(11) ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ"(12).

حيث قالوا هذه الآية تدل على أنه لا يكفر سوى المشرك بالله بدليل قوله {مَا دُونَ ذَلِكَ} بمعنى ما سوى ذلك.

ثانيًا: حديث أبي سعيد الخدري في الصحيحين مرفوعاً وفيه: "فيقول الله تعالى اذهبوا فمن وجدتم في قلبه مثقال دينار من إيمان فأخرجوه ويحرم الله صورهم على النار فيأتونهم وبعضهم قد غاب في النار إلى قدمه وإلى أنصاف ساقيه فيخرجون من عرفوا ثم يعودون فيقول اذهبوا فمن وجدتم في قلبه مثقال نصف دينار فأخرجوه فيخرجون من عرفوا ثم يعودون فيقول اذهبوا فمن وجدتم في قلبه مثقال ذرة من إيمان فأخرجوه فيخرجون من عرفوا قال أبو سعيد فإن لم تصدقوني فاقرؤوا إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها فيشفع النبيون والملائكة والمؤمنون فيقول الجبار بقيت شفاعتي فيقبض قبضة من النار فيخرج أقوامًا قد اِمْتحشُوا(13) فيلقون في نهر بأفواه الجنة يقال له ماء الحياة فينبتون في حافتيه كما تنبت الحِبّة(14) في حميل السيل(15) قد رأيتموها إلى جانب الصخرة وإلى جانب الشجرة" .. الحديث(16).

وكذا حديث عبد الله بن عمرو بن العاص يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله سيخلص رجلا من أمتي على رؤوس الخلائق يوم القيامة فينشر عليه تسعة وتسعين سجلا كل سجل مثل مد البصر ثم يقول أتنكر من هذا شيئا أظلمك كتبتي الحافظون فيقول لا يا رب فيقول أفلك عذر فيقول لا يا رب فيقول بلى إن لك عندنا حسنة فإنه لا ظلم عليك اليوم فتخرج بطاقة فيها أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله فيقول احضر وزنك فيقول يا رب ما هذه البطاقة مع هذه السجلات فقال إنك لا تظلم قال فتوضع السجلات في كفة والبطاقة في كفة السجلات وثقلت البطاقة فلا يثقل مع اسم الله شيء"(17).

وللحديث شواهد عديدة وهو في المسند وعند الترمذي وابن ماجة.

وكذا حديث أنس بن مالك "أن نبي الله صلى الله عليه وسلم ومعاذ بن جبل رديفه(18) على الرحل(19) قال: يا معاذ قال: لبيك رسول الله وسعديك قال: يا معاذ قال: لبيك(20) رسول الله وسعديك(21) قال: يا معاذ قال: لبيك رسول الله وسعديك قال: ما من عبد يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله إلا حرمه الله على النار قال: يا رسول الله أفلا أخبر بها الناس فيستبشروا قال: إذًا يتكلوا فأخبر بها معاذ عند موته تأثما"(22) أخرجه مسلم.

ونحوها من الأحاديث.

ثالثاً: حديث حذيفة بن اليمان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يدْرس(23) الإسلام كما يدرس وَشْي(24) الثوب حتى لا يدرى ما صيام ولا صلاة ولا نسك(25) ولا صدقة وليسرى على كتاب الله عز وجل في ليلة فلا يبقى في الأرض منه آية وتبقى طوائف من الناس الشيخ الكبير والعجوز يقولون أدركنا آباءنا على هذه الكلمة لا إله إلا الله فنحن نقولها فقال له صلة ما تغني عنهم لا إله إلا الله وهم لا يدرون ما صلاة ولا صيام ولا نسك ولا صدقة فأعرض عنه حذيفة ثم ردها عليه ثلاثا كل ذلك يعرض عنه حذيفة ثم أقبل عليه في الثالثة فقال يا صلة تنجيهم من النار ثلاثا(26)، والحديث رواه ابن ماجة وغيره.

حيث قال الجماهير كل هذه الأدلة ونحوها تخصص الكفر الوارد في أدلة الفريق الأول على كفر النعمة، وتاركها وإن كان غير جاحد بها على خطر عظيم وهو تحت مشيئة الله إن شاء عذبه وإن شاء غفر الله له، وقالوا من دخل الإسلام بالشهادتين فلا يخرج إلا بجحد إحداهما أو بناقض من نواقض الاسلام، فهما مفتاح الاسلام، وبالله التوفيق.
ــــــــــــ
([1]) سورة التوبة، الآية (11).
([2]) فجاء من بعد هؤلاء المفضلين أولاد سوء.    
([3]) شراً، ويقال: وادي في جهنم يسمى غَيّاً.    
([4]) سورة مريم، الآية [59, 60].
([5]) أخرجه مسلم في صحيحه [كتاب الإيمان، باب بيان إطلاق اسم الكفر على من ترك الصلاة (1/88 رقم 82)] من حديث جابر بن عبد الله.
([6]) بينهم (هنا) للمنافقين، شَبَّهَ الْمُوجِبَ لإبقائهم وحقن دمائهم بالعهد المقتضي لإبقاء المعاهد والكف عنه.    
([7]) أخرجه أحمد في مسنده [ باقي مسند الأنصار، حديث بريدة الأسلمي رضي الله عنه (5/346 رقم 22987)] من حديث بريدة.
([8]) أخرجه الترمذي في سننه [كتاب الإيمان، باب ما جاء في ترك الصلاة (5/14 رقم 2622)] عن عبد الله بن شقيق العقيلي.
([9]) محمد بن نصر بن الحجاج المروزي أبو عبد الله، تعظيم قدر الصلاة، تحقيق: د. عبد الرحمن عبد الجبار الفريوائي، مكتبة الدار، المدينة المنورة، الطبعة الأولى, 1406 هـ، (2/929).
([10]) عبد العظيم بن عبد القوي المنذري أبو محمد، الترغيب والترهيب من الحديث الشريف، تحقيق: إبراهيم شمس الدين، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى، 1417 هـ، (1/221).
([11]) غير.
([12]) سورة النساء، الآية (116).
([13]) احترقوا وقيل ضمروا ونقصوا واسودوا، والامتحاش والْمَحْش: احتراق الجلد واللحم وظهور العظم.
([14]) الحِبّة: حب الرياحين والعشب وبزر البقول ونحوه مما ينبت في البرية والصحراء التي تنتشر إذا هاجت ثم إذا مطرت من قابل نبتت و ليست بقوت, و قيل: كل شيء له حب فاسم الحب منه حِبّة فأما الحنطة والشعير فحبة لا غير.
([15]) بمعنى محمول السيل وهو ما حمله السيل من زبد ووسخ وطين أو تبن أو غثاء أو غيرها فإذا اتفقت فيه حبة واستقرت على شط أو وَسَط مجرى السيل تنبت في يوم وليلة، شبه نبات الخارجين من النار إذا ألقوا في نهر الحيا - أو الحياة - بنبات هذه الحبة لمعنيين: أحدهما: سرعة نباتها، والثاني: أنها صفراء ملتوية ثم تستوي وتحسن، فكذلك ينبت من يخرج من النار بهذا الماء نباتًا ضعيفًا ثم يقوى ويكمل نباته ويحسن خلقه وقيل التشبيه أيضًا في حسن اللون.
([16]) أخرجه البخاري في صحيحه [كتاب التوحيد، باب قول الله تعالى {وجوه يومئذ ناضرة . إلى ربها ناظرة} / القيامة 22، 23 / (6/2706 رقم 7001)], ومسلم في صحيحه [كتاب الإيمان، باب معرفة طريق الرؤية (1/167 رقم 183)] كلاهما من حديث أبي سعيد الخدري.
([17]) أخرجه أحمد في مسنده [مسند المكثرين من الصحابة, مسند عبد الله بن عمرو (2/213 رقم 6994)] من حديث عبد الله بن عمرو.
([18])  راكب خلفه.
([19])  فتح الراء وسكون الحاء المهملة الْكُور هنا وهو للناقة كالسرج للفرس.
([20]) إجابة لك بعد إجابة أو إجابة لازمة, وقيل غير ذلك.
([21]) سَاعَدْت طَاعَتَك مساعدة بعد مساعدة وإسعادًا بعد إسعاد.
([22]) أخرجه البخاري في صحيحه [كتاب العلم، باب من خص بالعلم قوما دون قوم كراهية أن لا يفهموا (1/59 رقم 128)], ومسلم في صحيحه [كتاب الإيمان، باب الدليل على أن من مات على التوحيد دخل الجنة قطعا (1/61 رقم 32)] كلاهما من حديث أنس بن مالك, واللفظ لمسلم.
([23]) يذهب.
([24]) نَقْشه وألوانه المختلفة.
([25]) ذبح (على معنى لها).
([26]) أخرجه ابن ماجة في سننه [كتاب الفتن, باب ذهاب القرآن والعلم (2/1344 رقم 4049)] من حديث حذيفة بن اليمان.




اقرأ أيضا



للتواصل معنا

فايس واتساب تويتر تلغرام