نصيحتي للمشايخ وطلاب العلم: دعوا التبديع والطعن في بعضكم البعض، وعودوا إلى أمركم الأول
بقلم الدكتور صادق بن محمد البيضاني
يا معشر المشايخ وطلاب العلم، يا من حملتم ميراث الأنبياء، وتقلدتم أعظم رسالة في تاريخ البشرية، أما حان للقلوب أن تفيق، وللألسن أن تترفق، وللصفوف أن تلتئم؟
إنه ليحزن القلب، ويدمى الفؤاد، حين نرى طلاب العلم ـ فضلا عن بعض المشايخ ـ يتراشقون بالتهم، ويطعن بعضهم في بعض، ويبدع بعضهم بعضا، ويشتغلون بتصنيف بعضهم، وتحذير الطلاب من إخوانهم، حتى صارت في كثير من الأحوال: المجالس ساحات خصام، والمنابر ميادين تهجم، والدروس مطايا إسقاط لا بوابات فقه في الدين وتربية.
أيها الفضلاء: أفي مثل هذا الوقت العصيب الذي تتخطف فيه الشبهات عقول الشباب، وتغرق الشهوات قلوبهم، وتهجم التيارات المضللة على بيوت المسلمين، ينشغل حملة الرسالة بالتحذير من بعضهم؟
أين الورع؟ أين العلم؟ أين نور القرآن؟ أين هيبة السنة؟
ما هكذا كان الألباني، ولا ابن باز، ولا شيخنا الوادعي، ولا ابن عثيمين، بل كانوا يجل بعضهم بعضا، وإن اختلفوا، ويثني ويترحم بعضهم على بعض، وإن تباينت اجتهاداتهم.
كانوا يعلموننا أن الحق أوسع من أن يحصر في اسم، وأشرف من أن يستعمل في الانتقام وحظوظ النفس، والإصرار على الرأي.
لقد استغل أهل البدع والضلال والزيغ والتحزب والشهوات خلافكم للسخرية منكم والازدراء بكم، وتفرغوا لنشر الفساد والضلال والبدع، في وقت أنتم مشغولون فيه بالطعن في بعضكم البعض
كونوا يقظين لواقعكم، وما يدور حولكم من أخطار فإنها ستعود عليكم لا محالة يوما من الدهر، فرب غفلة اليوم تجلب ندامة الغد، ورب فتنة لا تطفأ إلا بإخلاص قلوبكم، واجتماع كلمتكم.
ألم تقرأوا قول ربكم: ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم.
ألم تدركوا ما ثبت من حديث نبيكم عليه الصلاة والسلام وهو يقول كما في سنن الترمذي وغيره: المؤمن ليس بالطعان، ولا اللعان، ولا الفاحش، ولا البذيء.
ألم تروا أن الوقت ثمين، والعلم عزيز، والقلوب تموت بالعطش، فبأي ماء نرويها إن جف نبع القدوة.
أيها المشايخ الكرام، وطلاب العلم النبلاء: عودوا إلى أصل رسالتكم، إلى الكلمة الطيبة، والنصح الخالص، والتعليم بتواضع، والدعوة برحمة.
اتركوا الطعن والشتم والهمز واللمز، فإنها تظلم القلوب، وتطفئ نور العلم، وتحجب الطلاب عن الثقة في العلماء، وتزرع الحيرة، وتفسد القلوب.
علموا أبناءكم أن الحق لا ينصر بالهوى، وأن من كان على خطأ يرد عليه بأدب، لا بتأليب وتشهير وتشويه، فالجرح والتعديل علم له أهله وضوابطه، لا ساحة لكل متكلم.
واحذروا أن تكونوا سببا في صد القلوب عن طريق الله، فكم من طالب علم تاه لما رأى شيخه يقضي أزمنة في الهجوم على إخوانه، لا في مد يد الخير لطالبيه.
بل والله إني تلقيت مكالمات عديدة من دول اوربية يقولون لي: هناك بعض الأوربيين دخلوا في الإسلام فتلقفهم شباب متشددون يعلمونهم العالم الفلاني السني مبتدع فاحذروه وحذروا منه، فقلت لهم ناصحوهم ان لا يفعلوا، فقالوا عجزنا حتى قال بعض من اسلم نريد أن نعرف الإسلام الصحيح مع من هو!!
انظروا يا معشر المشايخ كيف وصل حال الدعوة في بلاد العجم بسبب خلافكم وتفرقكم فصرتم قدوة لغيركم، فتشتت الشمل بين الطلاب وعوام محبيكم.
وقد التقيت بمعالي الشيخ صالح الفوزان بعد المكالمة بمكتبه، وأخبرته بما آل إليه الحال في اوربا وبلاد العجم، فقال: هذا صد عن سبيل الله.
يا طلاب العلم: لا تجعلوا قدوتكم في الغلظة، بل اجعلوها في الحلم والتؤدة والرحمة والنصح.
يا إخواني المشايخ: من أحبكم لن يتبعكم في باطل، ومن نصحكم لا يعاديكم، ومن خالفكم بأدب فلا ترفعوا السيف في وجهه، ولا تحذروا منه بقصد الإسقاط.
واعلموا أن من علامة بركة العلم: التواضع والتورع والحلم والتأني وبعد النظر في الأمور، والانشغال بالقرآن والسنة والعمل بهما، والدعوة والتربية والتأليف وجمع الكلمة.
لقد كان العلماء عبر التاريخ صمام أمان للأمة، وكان اجتماع كلمتهم حصناً منيعاً في وجه أهل البدع، وسداً قوياً أمام تيارات التغريب والانحلال.
فيا حملة العلم، عودوا إلى رشدكم، وتذكّروا أن الناس ينظرون إليكم قدوةً وسنداً، فإن رأوكم تختلفون وتتنازعون وتطعنون في بعض، ضاع هيبة العلم، وسقطت هيبة الشريعة.
تذكروا أن الطعن في العلماء ليس سهماً على شخص، بل سهمٌ في صدر الأمة، يفتح باب الجرأة على الدين، ويكسر ثقة الناس في كل ما يخرج من حلقات الدروس والمنابر والمجامع العلمية.
فيا أيها العلماء وطلاب العلم:
اتقوا الله في أنفسكم، واتقوا الله في أمتكم، واجعلوا خلافكم إن حصل، محصوراً بالأدب، مضبوطاً بالعلم، خالياً من الغمز واللمز، مصوناً عن الشماتة والتحزّب.
واحذروا أن تكونوا فتنة للناس، أو سبباً في هجر العلم الشرعي، أو ذريعة لتسلّط أهل الأهواء على الدين وأهله.
وفق الله الجميع لطاعته، وألهمهم رشدهم
حرر بتاريخ 12 محرم 1447 هجرية.