الجمعة 11 ربيع الآخر 1442 هـ || الموافق 27 نونبر 2020 م


قائمة الأقسام   ||    دورة تدريس علوم الحديث    ||    عدد المشاهدات: 580

دورة تدريس علوم الحديث
الحلقة (11)

بقلم الدكتور: صادق بن محمد البيضاني

إتماماً لأقسام الحديث من حيث القبول والرد أقول وبالله التوفيق:
ثانياً: الحَسَن. وهو مأخوذ في اللغة من الحُسْن.
واصطلاحاً: ينقسم إلى قسمين: حسن لذاته، وحسن لغيره.
فأما الحسن لذاته فهو: الحديث الذي يتصل إسناده بنقل العدل الخفيف الضبط عن مثله إلى منتهاه، ولا يكون شاذاً ولا معللاً بعلة قادحة خفية.
ويلزم فيه ما يلزم في الصحيح لذاته من حيث القبول، إلا أن فيه رجلاً فأكثر ممن خف ضبطه بخلاف رجال الصحيح لذاته.
ويعرف رجال الحديث الحسن لذاته من جهتين غالباً :
الجهة الأولى: أن يكون فيه راوٍ فأكثر ممن خف ضبطه كأن يقال فيه: لا أعلم فيه بأساً، أو لا بأس بحديثه، أو صدوق على اصطلاح الحافظ ابن حجر، ونحوها من الألفاظ التي لم تبلغ درجة التوثيق التام.
الجهة الثانية: كأن يختلف فيه الأئمة الكبار من علماء الجرح والتعديل ممن لا يعرف عنهم التساهل في الرجال كأبي حاتم وأبي زرعة والدارقطني والبخاري وأحمد ويحيى وشعبة وغيرهم، فقوم يوثقون، وآخرون يضعفون، وفي هذه الحالة يمكن الجمع والتوسط في الحكم بجعله حسن الحديث كما فعل الحافظ ابن حجر وغيره من المتأخرين، بشرط ألا يكون الراوي ممن وثقه قوم وضعفه آخرون لجرح مفسر كمختلط، أو مخلط في الحديث، أو سيئ الحفظ، أو يخطئ في حديثه كثيراً، أو كثير الغلط ونحوها ، فلا تقبل روايته في ما ذكرنا إلا في الشواهد والمتابعات ، غير أن المختلط ينظر هل السماع قبل الاختلاط أو بعده ، فيقبل ما كان قبله، وأما ما كان بعده فلا بد له من شاهد أو متابع.
مثال الحسن لذاته:
ما أخرجه مسلم في صحيحه من طريق معاوية بن صالح عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير عن أبيه عن النواس بن سمعان الأنصاري قال : سألت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن البر والإثم؟
فقال: "البر حسن الخلق، والإثم ما حاكَ في صدرك وكرهت أن يطلع عليه الناس"([1]). حديث حسن لذاته، ورجاله ثقات سوى معاوية بن صالح حسن الحديث.
وأما الحسن لغيره فهو: الحديث الضعيف إذا تعددت طرقه أو شواهده، ولو كان التعدد بطريق آخر أو شاهد آخر إذا اختلف المخرج، أو بطريقين أو شاهدين فأكثر بشرط ألا يكون الاعتضاد بطرق منقطعة أو معضلة أو معلقة ونحوها من الطرق الشديدة الضعف.
قال المناوي: قالوا: وإذا قوي الضعف لا ينجبر بوروده من وجه آخر وإن كثرت طرقه ومِنْ ثَمَّ اتفقوا على ضعف حديث "من حفظ على أمتي أربعين حديثاً "([2])، مع كثرة طرقه لقوة ضعفه وقصورها عن الجبر بخلاف ما خف ضعفه ولم يقصر الجابر عن جبره فإنه ينجبر ويعتضد([3]) اهـ
ولا يعد المرسل مما اشتد ضعفه إذا توفرت شروط قبوله كما سيأتي على أرجح الأقوال.
وكذا حديث المدلِّس وإن لم يصرِّح بالتحديث ، فهذان مما يُعَدُّ بهما في الشواهد والمتابعات، ما لم يكن المدلِّس ممَّنْ احْتُمِلَ سماعه ، فإن كان كذلك فحديثه حجة.
مثال الحسن لغيره:
حديث البسملة للوضوء فإنه حديث ضعيف، وقد ورد من طرق عديدة وله شواهد متكاثرة بمجموعها يرتقي الحديث إلى الحسن لغيره([4]).
وهذا النوع هو الحسن الذي عرَّفه الترمذي في مقدمة جامعه، فإذا قال في الجامع: حديث حسن فإنه يقصد به الحسن لغيره كما لا يخفى على حذاق هذه الصناعة بخلاف ما لو قال حسن صحيح فللتردد بينهما أو أنه حسن في الجملة لا ينافي الصحة والله أعلم.
وكل هذه الأنواع وهي الصحيح بنوعيه والحسن بنوعيه صالحة للإحتجاج في كافة الأحكام الشرعية ؛ لثبوت رفعها من خلال التتبع في مظان الحديث.
وفق الله الجميع لطاعته، وألهمهم رشدهم.
______________
([1]) أخرجه مسلم في صحيحه (كتاب البر والصلة والآداب ، باب تفسير البر والإثم (4/ 1980 رقم 2553) .
([2]) قال الحافظ في التلخيص الحبير (3/ 93): "أخرجه الحسن بن سفيان في مسنده، وفي أربعينه من حديث ابن عباس، وروي من رواية ثلاثة عشر من الصحابة، أخرجها ابن الجوزي في العلل المتناهية، وبين ضعفها كلها، وأفرد ابن المنذر الكلام عليه في جزء مفرد، وقد لخصت القول فيه في المجلس السادس عشر من الإملاء، ثم جمعت الإشارة في جزء ليس فيها طريق تسلم مِنْ علة قادحة". اهـ
([3]) المناوي عبدالرؤف، فيض القدير، المكتبة التجارية الكبرى، القاهرة، مصر، الطبعة الأولى 1356هـ (1/ 41).
([4]) حديث البسلة هو حديث "لا صلاة لمن لا وضوء له  ولا وضوء لمن لم يذكر اسم الله تعالى عليه" وإليك تخريجه ملخصاً حتى تعرف أيها الطالب الطريقة المثلى في التخريج:
أخرجه أحمد في المسند (2/ 418 رقم 9408) ، وأبو يعلى في مسنده (11/ 293 رقم 6409) والطبراني في المعجم الأوسط (8/ 96 رقم 8080) ، والبيهقي في السنن الكبرى (1/ 41 رقم 183) وكذا (1/ 43 رقم 195) ، والدارقطني في سننه (1/ 79 رقم 1) ، والحاكم في المستدرك (1/ 245 رقم 518 ، 519 ) كلهم من طريق محمد بن موسى عن يعقوب بن سلمة عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي عليه الصلاة والسلام وذكره.
ومحمد بن موسى هو المخزومي الفطري وهو حسن الحديث لكن هذه الطريق معلة لأن مدارها على يعقوب بن سلمة الليثي ، وليس بحجة كما ذكر الذهبي في الكاشف (2/ 394) وقد صحفه بعض الرواة إلى يعقوب بن أبي سلمة ، والصواب ما أثبتناه كما في لسان الميزان وغيره.
وقال البخاري: لا يعرف له سماع من أبيه ولا لأبيه من أبي هريرة ، كذا نقله الحافظ في التلخيص الحبير.
لكن للحديث شواهد ينجبر بها:
الشاهد الأول: عن أبي سعيد الخدري.
أخرجه أحمد في مسنده (3/ 41 رقم 11388، 11389) ، وعبد بن حميد في مسنده (1/ 285 رقم910)، والدارمي في سننه (1/ 187 رقم 691)، وأبو يعلى في مسنده (2/ 324 رقم 1060، وكذا في (2/ 424 رقم 1221)، والبيهقي في السنن الكبرى (1/ 43 رقم 192) ، والدارقطني في سننه (1/ 71 رقم 3 )، والحاكم في المستدرك (1/ 246 رقم 520) كلهم من طريق كثير بن زيد الليثي عن ربيح بن عبد الرحمن عن أبيه عن جده أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: "لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه".
وفي هذه الرواية علتان:
الأولى: ربيح بن عبد الرحمن وهو مقبول كما في تقريب التهذيب (ص250).
الثانية: كثير بن زيد الليثي ، قال البخاري : في حديثه نظر ، وذكره ابن حبان في الثقات كما في لسان الميزان للذهبي (5/ 302).
الشاهد الثاني: عن سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل.
أخرجه أبو داود في سننه (1/ 25 رقم 101)، وابن ماجه في سننه (1/ 140 رقم 399) ، وابن أبي شيبة في مصنفه (1/ 12 رقم 15، وكذا 1/ 14 رقم 28)، وأحمد في مسنده ( 5/ 381 رقم 23284، وكذا 6/ 382 رقم 27191) ، والطحاوي في شرح معاني الآثار (1/ 26 رقم 102)، والبيهقي في السنن الكبرى (1/ 43 رقم 193، 194)، والدارقطني في سننه (1/ 72 رقم 5 ، وكذا 1/ 73 رقم 8 ،9)، والحاكم في المستدرك (4/ 66 رقم 6899 ) كلهم من طريق أبي ثفال ثمامة بن حصين المري عن رباح بن عبد الرحمن بن حويطب عن جدته عن أبيها سعيد بن زيد ابن عمرو بن نفيل عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: "لا صلاة لمن لا وضوء له ولا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه ولا يؤمن بالله من لا يؤمن بي ولا يؤمن بي من لا يحب الانصار".
وهذه رواية معلة فيها: أبو ثفال المري، ورباح بن عبد الرحمن بن حويطب وكلاهما مقبول كما في تقريب التهذيب للحافظ ابن حجر.
وفي رواية الحاكم قال رباح بن عبد الرحمن بن أبي سفيان: حدثتني جدتي أسماء بنت سعيد بن زيد بن عمرو أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم.
فأسقط منه ذكر أبيها، ولذا سكت عنه الذهبي.
وذكر ابن حجر أسماء بنت سعيد في الإصابة (7/ 484) فقال: أسماء بنت سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل القرشية العدوية لها ولأبيها صحبة .اهـ
الشاهد الثالث: عن سهل بن سعد الساعدي
أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (6/ 121 رقم 5699 ، وكذا في الدعاء ص139رقم 382) ، والبيهقي في السنن الكبرى (2/ 379 رقم 3781) والحاكم في المستدرك (1/ 402 رقم 992) كلهم من طريق عباس بن سهل الساعدي عن أبيه عن جده عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: "لا صلاة لمن لا وضوء له ولا وضوء لمن لم يذكر الله عليه ولا صلاة لمن لم يصل على نبي الله في صلاته".
وهذه الرواية يرويها عن عباس ولداه عبد المهيمن وأُبي وكلاهما ضعيف.كما في تقريب التهذيب لابن حجر.
الشاهد الرابع : عن أبي سبرة الجهني.
أخرجه أحمد بن عمرو بن الضحاك في الآحاد والمثاني (2/ 152 رقم 873)، والطبراني في المعجم الكبير (22 /296 رقم755، وكذا في المعجم الأوسط (2/ 26 رقم 1115، وكذا في الدعاء ص139 رقم 382) كلهم من طريق عيسى بن سبرة بن أبي سبرة الجهني عن أبيه عن جده قال: "صعد رسول الله عليه وسلم ذات يوم فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس لا صلاة إلا بوضوء، ولا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه ، ولم يؤمن بالله من لم يؤمن بي ، ولم يؤمن بي من لم يعرف حق الأنصار" ولم أجد من ترجم لعيسى بن سبرة ولا لأبيه سبرة بن أبي سبرة.
كما روي الحديث عن أبي هريرة بزيادة فيه، أخرجه البيهقي في سننه (1/ 44 رقم 197) ،
والدارقطني في سننه (1/ 71 رقم 2 ) من طريق محمود بن محمد نا أبو يزيد الظفري نا أيوب ابن النجار عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: "ما توضأ من لم يذكر اسم الله وما صلى من لم يتوضأ وما آمن بي من لم يحبني وما أحبني من لم يحب الأنصار".
وهذه رواية معلة بمحمود بن محمد الظفري لم يكن بالقوي كما قال الخطيب في تاريخ بغداد (13/ 92).
أما أيوب بن النجار فقد قال البيهقي عقب هذا الحديث: كان أيوب بن النجار يقول: لم أسمع من يحيى بن أبي كثير إلا حديثاً واحداً وهو حديث "التقي آدم وموسى" ذكره يحيى بن معين فيما رواه عنه ابن أبي مريم فكان حديثه هذا منقطعاً والله أعلم.أهـ
وبعد هذا التتبع يتبين أن أسانيد البسملة لا تخلو من مقال لكنها بمجموعها تفيد أن الحديث حسن لغيره.
وقد قال الحافظ ابن حجر في التلخيص الحبير (1/ 75): "والظاهر أن مجموع الأحاديث يحدث منها قوة تدل على أن له أصلاً وقال أبو بكر بن أبي شيبة ثبت لنا أن النبي صلى الله عليه وسلم قاله" اهـ




اقرأ أيضا



فايس واتساب تويتر تلغرام