الدفاع عن السنة، هل هو ترف في زمن الجراح؟
بقلم الدكتور صادق بن محمد البيضاني
في وقتٍ تتألم فيه غزة، وتبكي الشام، وتئنُّ بغداد، ويُذبح الإسلام على موائد السياسة والمصالح، يخرج عليك من يقول: (لولا مثل هذه المقالات في الدفاع عن السنة، لما كانت غزة تموت جوعا وألما وحصارا، لا أستنقص قدر الكلام، ولكن أستنقص توقيته وفائدته في الوضع الراهن للأمة.
كلامٌ ظاهره الغيرة، وباطنه الخلل في الفهم والبصيرة.
فهل حقا أصبح الدفاع عن سنة النبي صلى الله عليه وسلم ترفا فكريا؟
هل يُلام من يحرس الدين من التحريف، بدعوى أن الأمة تتألم؟
وهل نؤخر أداء واجب شرعي لأن الجراح مفتوحة؟!
ما أصاب أمتنا من ذل وضعف وشتات، إلا لما ابتعدت عن مصدر عزها: القرآن والسنة.
غزة لم تُحاصر لأننا دافعنا عن حديث في البخاري أو عن أحاديث السنة في الجملة، بل لأنها حوصرت لما تركنا السنة وصار منا شرذمة ابتلاهم الله بالطعن في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
غزة لم تُحاصر إلا لأن بعض جهلة المسلمين ابتعدوا عن الدين وشقوا وحدة الصف وصدقوا الشبهات، ووقفوا ضد أهل الحق، وفتحوا المجال لكل طاعنٍ في الوحي والنبوة والعقيدة.
ذكر الذهبي في سير أعلام النبلاء (2/520)، وأسنده غير واحد أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: (نحن قومٌ أعزنا الله بالإسلام، فإن ابتغينا العزة في غيره أذلنا الله).
وقد ذكر ابن القيم في زاد المعاد (3/6): أن الجهاد نوعان:
الأول: جهاد باليد والسنان، وهذا المشارك فيه كثير.
والثاني: جهاد بالحجة والبيان، وهذا جهاد الخاصة من أتباع الرسل.
يجب على المسلمين أن يغيروا بواطنهم وفق الكتاب والسنة حتى يقوى الصف ويكونوا يدا واحدة ضد عدوهم.
فالخلل من القلوب لو كنتم تعلمون.
قال الله تعالى: (ذلك بأن الله لم يك مغيرا نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم).
وقد ثبت عند أبي داود وغيره أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (إذا تبايعتم بالعينة، وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد، سلط الله عليكم ذلا لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم).
فمن يرد شبهة عن حديث النبي صلى الله عليه وسلم، أو يدفع افتراء عن البخاري ومسلم وعن أئمة السنة، أو يذب عن عقيدة المسلمين الصافية، فهو مجاهد في سبيل الله.
ومن يترك الساحة لهؤلاء الطاعنين، بدعوى سوء التوقيت، فقد خان الجبهة من داخلها وهو لا يدري.
لو كنا نؤخر كل واجب شرعي حتى تنقشع الأزمات، لتوقفت المساجد، وسكتت المنابر، وجُفت أقلام العلماء، ولضاعت أصول الدين.
أي توقيت ننتظره؟ حين تستقر الأمة؟ حين تُرفع الرايات؟ حين تتوحد الكلمة؟
هذا لن يكون إلا بعد أن نصحح نوايانا ونعود للكتاب والسنة، لا قبلها.
إن من يدافع عن حديث واحد للنبي عليه الصلاة والسلام اليوم، ربما يمنع أجيالا من الوقوع في الضلال غدا، وهذا من أعظم أسباب نهوض الأمة على المدى البعيد.
وحين نكتب عن الدفاع عن السنة او بيان خطر الإلحاد وشبهاته وأخطار الخلافات بين العلماء والدعاة مما يسبب شق الصف، لا يعني أننا لا نحب غزة؟ بلى والله، نبكي لألمها، وندعو لأهلها ليلا ونهارا، ونحمل همها في قلوبنا، وكم كتبت من مقالات عديدة مؤخرا في محنتها إلا من حبنا لها، ولكونها داري وأرضي وأهلها أهلي، لكن محبتنا لغزة لا تعني أن نغلق كتب العلم، ونسكت عن الباطل، ونترك الميدان للذين يطعنون في القرآن والحديث باسم ألم الأمة، بل نغيث غزة بما نملك: فمن ملك المال أغاثها بماله، ومن ملك القلم أغاثها بقلمه، ومن ملك العلم أغاث الأمة كلها بعلمه.
يا صاحب الغيرة: لا تكن حجر عثرة في طريق الدعوة، بل كن عونا لأهل الحق.
لو أنك لا ترى ثمرة هذا الجهد اليوم، فاعلم أن كل كلمة تُكتب في نصرة سنة النبي صلى الله عليه وسلم قد تكون بذرة صلاح لأمة، وهداية لشاب، وثبات لقلب، وربما كانت سببا في نصرٍ يُكتب بعد حين.
الدفاع عن سنة النبي صلى الله عليه وسلم ليس ترفا، بل هو واجب الزمان، وفرض الأعيان، وصمام أمان لدين يتعرض لكل سُباب وسهام.
وغزة، لن تنتصر بالخطب وحدها، بل بالإيمان، والعقيدة، والثبات، والعودة الصادقة إلى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.
فمن كان يحب غزة حقا، فليثبت على طريق النبي صلى الله عليه وسلم.
وكما تعلمون اليوم: لا وسائل، ولا قدرة لمن كان خارج غزة أن يجاهد الاحتلال الصهيوني.
اللهم كن لأهلنا في غزة، اللهم احفظهم بحفظك، وانصرهم بنصرك، واشفِ جرحاهم، وتقبّل قتلاههم، وثبت أقدامهم، وفرج كربهم، وآمن روعاتهم، واربط على قلوبهم، واكفهم شر أعدائهم، إنك وليهم ومولاهم، وأنت أرحم الراحمين.