هذه هي السلفية الحقة
بقلم الدكتور صادق بن محمد البيضاني
إن المتأمل في تاريخ السلفية عبر القرون يجد نفسه أمام مشهد ناصع البياض، صاف لا تكدره الشبهات ولا تلوثه الأهواء.
فالسلفي الصادق عفيف اللسان، صادق الكلمة، أمينا في تعامله، محبا لإخوانه المسلمين، ناصحا لهم، حريصا على سلامة قلوبهم وأبدانهم. ولن تجد سلفيا يؤذي أهل الإسلام، ولا يعتدي على دمائهم ولا أموالهم، بل يراها عند الله محرمة أعظم الحرمة، وكيف لا وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كما في صحيح مسلم: (كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه).
ولن ترى السلفي ساعيا إلى دمار وطنه، فهو يعلم أن الفوضى لا تأتي بخير، وأن حفظ الأمن من مقاصد الشرع العظمى، وأن الانشغال بالفتن والثورات إنما هو تمزيق للأمة وضياع لمصالحها.
ولن تراه يفجر بيوت الله أو ينتهك حرمتها، فالمساجد عنده مواطن الطهر، ومنازل الذكر، وأحب البقاع إلى الله، فلا يعمرها إلا بالصلاة والقرآن والذكر وطلب العلم، بعيدا عن اللهو والعدوان.
ومن نظر إلى موقف السلفيين من العصاة والمذنبين علم يقينا أنهم أبعد الناس عن فكر الخوارج الذين يكفرون الناس بالذنوب ويستبيحون دماءهم، بل السلفي يرحم العصاة، ويدعو لهم، ويأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر، لكنه لا يخرجهم من دائرة الإسلام ما لم يأتوا بالكفر البواح الذي عنده فيه من الله سلطان.
ولن ترى السلفي مشغولا بالكرسي أو ساعيا للمنصب، فهو يزهد في الدنيا، ويعلم أن الإصلاح لا يستجلب بالمناكفات السياسية، بل يبدأ من إصلاح القلوب والعقائد، ومن بناء الفرد على الكتاب والسنة، كما يسعى لصلاح من تولى السلطة ونوابه بالحكمة واللين مع الدعاء لهم بالخير والصلاح في السر والعلن.
وليس السلفي إرهابيا يحمل حزاما ناسفا يقتل به الأبرياء، ولا حزبيا يرفع راية الانتماء لغير الإسلام، ولا مبغضا لأهل بيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم، بل هو محب لهم، معظم لشأنهم، مقر بفضلهم وحقهم.
وإذا قيل: قد رأينا من يدعي السلفية وهو غليظ القلب، أو متشدد، قلنا: ذلك لا يمثل السلفية، كما أن الخوارج لم يمثلوا الإسلام وإن انتسبوا إليه.
فالسلفية منهج قائم على الكتاب والسنة وفهم الصحابة والتابعين، لا على الغلو ولا على الجفاء.
وليس عجيبا أن يحاربها بعض السياسيين أو الإعلاميين أو أصحاب المشاريع الفكرية المنحرفة؛ فالسلفي عقبة أمام مشاريعهم، وسد منيع دون مخططاتهم التي يريدون بها هدم الدين وتمييع العقيدة. ولذلك تراهم يشنون الحملات، لا لأن السلفيين أهل عنف وإرهاب، ولكن لأنهم أهل ثبات ووضوح، لا يساومون على دين الله، ولا يبيعون عقيدتهم ومنهجهم بعرض من الدنيا قليل.
المنهج السلفي قام على الرحمة والاتباع والوسطية. فالسلفية في حقيقتها صفاء في العقيدة، نقاء في العبادة، صدق في المعاملة، وحب للخير ورحمة بالخلق.
لا يداهنون السلاطين ولا يغشونهم، بل ينصحونهم، فمن ادعى السلفية وغش ولي أمره أو داهنه، فإنه يمثل نفسه لا المنهج القويم.
ثم إن السلاطين يدركون من غشهم أو نافقهم، ويعرفون أن من نافقهم اليوم صار عدوهم الغد.
المنهج السلفي يدعو إلى نصح الحكام بالحكمة من غير فتنة، والدعاء لهم في السر والعلن.
قال الفضيل بن عياض كما في كتاب الحلية لأبي نعيم (8/91): (لو أن لي دعوة مستجابة ما جعلتها إلا في السلطان، قيل له: يا أبا علي! فسر لنا هذا؟ قال: إذا جعلتها في نفسي لم تعدني، وإذا جعلتها في السلطان صلح، فصلح بصلاحه العباد والبلاد).
السلفية ليست دعوة محصورة في زاوية ضيقة، ولا هي انكفاء على مسائل محدودة كما يظن البعض، بل هي دعوة عظيمة حملت هم الأمة عبر التاريخ، واهتمت بقضايا المسلمين في العالم الإسلامي كله، من مشارق الأرض إلى مغاربها، ونصرتهم بالعلم والبيان والدعوة والجهاد المشروع بشروطه.
وهي دعوة شمولية تعالج شؤون الحياة كلها، بما فيها القضايا السياسية، لكنها لا تنطلق من الأهواء ولا من المصالح الحزبية، وإنما من نور الكتاب والسنة وفهم السلف الصالح.
تدعو إلى الإصلاح، وإقامة العدل، ونصرة قضايا الأمة على منهج واضح مستقيم، لا تقصي الآخرين من المسلمين مهما كان الخلاف معهم، فإن المسلم يحب أخاه بقدر ما عنده من إيمان، ويبغض ما فيه من معصية بقدر ما عنده من مخالفة، كما قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى) أخرجه مسلم.
إنها دعوة أهل الإنصاف والعدل عبر القرون.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية في منهاج السنة النبوية (157/5): (وليس في أهل الأهواء أصدق ولا أعبد من الخوارج، ومع هذا فأهل السنة يستعملون معهم العدل والإنصاف ولا يظلمونهم، فإن الظلم حرام مطلقا).
وقال أيضا كما في المصدر السابق (543/4): (ومن سلك طريق الاعتدال عظم من يستحق التعظيم، وأحبه ووالاه وأعطى الحق حقه، فيعظم الحق ويرحم الخلق، ويعلم أن الرجل الواحد تكون له حسنات وسيئات فيحمد ويذم ويثاب ويعاقب، ويحب من وجه ويبغض من وجه، هذا هو مذهب أهل السنة والجماعة خلافا للخوارج والمعتزلة ومن وافقهم).
دماء المسلمين عند السلفيين واحدة، وأعراضهم محرمة، وأموالهم مصونة، ولا يستباح شيء منها إلا بحق شرعي بين.
ومن تخلى عن نصرة قضايا المسلمين، أو وقف ضد مصالحهم، أو جعل السلفية ستارا لأهوائه، فإنه لا يعد عنوانا لها ولا ممثلا لحقيقتها، وإن رفع اسمها شعارا.
وهي دعوة قائمة على الاجتماع والاعتصام بالكتاب والسنة، ترفض التعصب للأشخاص والجهات، وترى أن العزة في التمسك بالحق لا في تعدد الرايات والشعارات، وكل من سعى لتفريقها من الداخل باسم السلفية فإنما يمزق نفسه.
فالله الله بهذه الدعوة المباركة وأهلها وعلمائها الأتقياء، فإن الله يقول: (ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، الذين آمنوا وكانوا يتقون، لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة، لا تبديل لكلمات الله، ذلك هو الفوز العظيم).
وأخرج البخاري في صحيحه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال فيما يرويه عن ربه: (من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب).
هذه هي السلفية الحقة: دعوة إصلاح ورحمة، صفاء في العقيدة، وصدق في الاتباع، ورحمة بالخلق، وثبات على الحق، لا يكرهها إلا جاهل بحقيقتها أو حاقد على نورها.