السبت 13 ذو الحجة 1447 هـ || الموافق 30 ماي 2026 م


قائمة الأقسام   ||    مقالات متنوعة    ||    عدد المشاهدات: 435

لا يغضب من النقد إلا ضعيف الشخصية

بقلم الدكتور صادق بن محمد البيضاني


 النفوس الكبيرة تعرف أن الحق أثمن من الذات، وأن نصيحة المحب أو المخالف أصدق من مديح المنافق. 
وما عرف الناس عظماءهم إلا بقدرتهم على تقبّل النقد بصدر رحب، والتعامل مع الملاحظات كمرآة تكشف العيوب لتصلح، لا كسِهام تطعن لتجرح.

إن من يغضب من النقد ضعيف، لأنه جعل شخصيته رهينة لمدح الناس، وترك نفسه أسيرا لصورته أمام الخلق، أما القوي فهو من استمسك بالحق ولو خالفه الناس، ومن أحب الناصح ولو جرح قوله. 
قال الله تعالى: (وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين).
فالمؤمن حين يعظه غيره يرجع إلى الله شاكرا، لا يثور على الناصح معاندا.

وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم كما في صحيح مسلم: (الدين النصيحة، قالوا: لمن يا رسول الله؟ قال: لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين وعامتهم).
فالنصيحة جزء من ديننا، وتركها أو ردها عنادا ضعف وخلل في الإيمان.

قال الشيخ الزاهد عبد العزيز السلمان رحمه الله في كتابه إرشاد العباد للاستعداد ليوم المعاد (ص22) بتصرف: (كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول: رحم الله امرأً أهدى إلي عيوبي.
وكان يسأل سلمان عن عيوبه، فلما قدم عليه قال: ما الذي بلغك عني مما تكرهه؟
قال: اعفني يا أمير المؤمنين فألح عليه، فقال: بلغني أنك جمعت بين إدامين على مائدة وأن لك حلتين حلة بالنهار وحلة بالليل.
قال: وهل بلغك غير هذا؟ قال: لا، قال: أما هذان فقد كفيتهما.

وكان يسأل حذيفة ويقول له: أنت صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم في معرفة المنافقين فهل ترى علي شيئا من آثار النفاق؟
فهو على جلالة قدره وعلو منصبه هكذا كانت تهمته لنفسه رضي الله عنه...
قيل لبعض العلماء، وقد اعتزل الناس وكان منطويا عنهم: لم امتنعت عن المخالطة؟ فقال: وماذا أصنع بأقوام يخفون عني عيوبي).

فهل هناك قوة أعظم من رجل يملك زمام الحكم، ومع ذلك يقبل النقد من أي شخص كان. 

أما ضعيف الشخصية، فإنه يتعامى عن النصيحة، ويبرر خطأه، ويخاصم من نصحه، فيجمع على نفسه خطيئتين: خطيئة المعصية، وخطيئة الكبر. 
قال الله تعالى في وصف الجاحدين: (وجحدوا بها واستيقنتها انفسهم ظلما وعلوا).

فالذي يرفض الحق بعد أن بان له، إنما يرفضه استكبارا، لا لأن الحق غامض.

ولقد قال الله عن أهل الباطل: (إن يتبعون الا الظن وما تهوى الانفس).
فكم من إنسان يرد النصيحة لا لضعف دليلها، ولكن لأن نفسه لا تهواها.

وانظر حولك: كم من والد رفض أن يستمع لولده الناصح، فضاع أهل بيته؟ وكم من مدير غضب حينما صححوا له خطأه، فانهارت شركته؟ وكم من داعية تعصب لرأيه، فخسر أتباعه؟ كلها شواهد على أن من يرد النصيحة إنما يرد الخير عن نفسه.

إن العاقل لا يغضب من النقد، بل يفرح به، لأنه كالدواء المر الذي يشفي الجراح. 
أما من يغضب فذاك عبد لصورة نفسه، لا عبد بحق لله. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم كما ثبت عند أبي داود وغيره: (المؤمن مرآة أخيه). 
والمرآة لا تجملك دائما، بل تريك عيبك كما هو.

فاجعل قلبك أوسع من أن تضيقه نصيحة، وكن كالأرض الخصبة التي لا تأنف من أن يلقى فيها الروث، لأنها تحيله زرعا مثمرا. 
واعلم أن النقد الصادق نعمة، وأن من دلك على عيبك أحبك او احب لك الخير، ولو جرحك كلامه أو قسى في أسلوبه.

واعلم أن أقوى الناس من قدر على نفسه عند الغضب، لا من انتصر لها. 
قال النبي صلى الله عليه وسلم كما في الصحيحين: (ليس الشديد بالصرعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب).

فلتكن عظيما بقبولك للنصيحة، ولا تكن صغيرا يغضب من كلمة حق، فما عرفنا عظيما في التاريخ إلا وكان النقد يصنع منه رجالا، وما عرفنا ضعيفا إلا وكان النقد يحطمه.




اقرأ أيضا



للتواصل معنا

فايس واتساب تويتر تلغرام