الإثنين 8 ذو الحجة 1447 هـ || الموافق 25 ماي 2026 م


قائمة الأقسام   ||    مقالات متنوعة    ||    عدد المشاهدات: 342

جراح الابتزاز وصيحات الخوف في عصر الوهم

بقلم الدكتور صادق بن محمد البيضاني


 في زمن انفتحت فيه أبواب العالم على بعضها بلمسة شاشة صغيرة، دخلت إلى البيوت صور لم تكن لتدخل من أبوابها، وتسللت إلى القلوب كلمات لم يكن لها أن تقال وجها لوجه. 
صار الهاتف أحيانا وسيلة للعلم والرحمة، وأحيانا جسرا للشهوة والفساد. 
ومن بين أخطر ما حملته هذه الوسائل الحديثة، داء مهلك، ووسم قاتل اسمه: الابتزاز.

فكم من فتاة بريئة بدأت حكايتها برسالة عابرة، أو صورة ظنت أنها لن تتجاوز محادثة خاصة، ثم استيقظت على كابوس لم ينطفئ ناره، شاب ماكر يتصيدها بالكلام المعسول، يعدها بالزواج أو الوفاء، حتى يظفر منها بصورة أو كلمة، ثم يحيل تلك اللحظة إلى سلاسل يقيد بها قلبها وحياتها.
ومن شدة الخوف من الفضيحة، قد تقرر بعض الفتيات أن الهروب إلى الموت أهون من مواجهة الأعين، فيقدمن على الانتحار ليوارين وجوههن تحت التراب. 

يا لله! أية جريمة يرتكبها المبتز حين يدفع نفسا انخدعت به بسبب تهورها وتهوره إلى أن تزهق نفسها؟

يقول الله تعالى: (ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق).
ويقول سبحانه: (ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما).
فالانتحار جريمة كبرى، والابتزاز طريق يقود إلى تلك الجريمة، فهو قتل غير مباشر لكنه لا يقل خطورة.

وفي الجانب الآخر، كم من فتاة ضعف عقلها أمام كلمات الشاب الماكر الذي غرها حين وعدها بالوفاء، وصور لها كذبه على أنه إخلاص، حتى سلمت له ما لا يحل أن يسلم إلا لزوج. 
ولو أنها تذكرت قول الله تعالى: (فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض) لما سقطت في شباكه. 
لكن الغفلة والهوى عندها وعنده يزينان الباطل في صورة الحق.

قال النبي صلى الله عليه وسلم كما في الصحيحين: (ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء).
 
فالفتنة قديمة، لكن الوسائل اليوم صارت أخطر وأقوى، لأن صورة واحدة قادرة أن تحمل في دقائق إلى أطراف الأرض، وأن تهدد بها حياة إنسانة بأكملها.

وكما تعلمون أن الواتساب، والفيسبوك، وتطبيقات التصوير والبث، كلها سلاح ذو حدين، من استخدمها في الخير، انتفع وأفاد، ومن جعلها طريقا للتسلية المحرمة والصداقات المشبوهة، فتح على نفسه بابا لا يغلق.

كم من فتاة وقعت في فخ: أرسلي لي صورتك لأراك، أو لن يراك أحد غيري، ثم تحول ذلك الوعد الكاذب إلى تهديد يومي: (إما أن تفعلي كذا، أو أنشر صورك). 
هنا تبدأ رحلة الرعب، ويبدأ المبتز في التحكم بحياة الضحية، يطلب منها المال، أو مزيدا من الصور، أو أفعالا محرمة، وهي تغرق يوما بعد يوم حتى تنكسر حياتها.

ومن هنا كانت عواقب الابتزاز وخيمة، وأبرزها ما يلي: 

اولا: ضياع سمعة الفتاة التي هي رأس مالها.

ثانيا: الانحراف والمعصية، إذ قد تضطر الفتاة أن تساير المبتز خوفا من الفضيحة.

ثالثا: انهيار الأسرة، التي إن علمت بواقع ابنتهم، قد تتسبب في قطيعة عظمى كطرد من البيت، أو جريمة قتل لها باسم الحفاظ على الشرف.

رابعا: الانتحار: وهو آخر ما تصل إليه البائسة، حيث تقطع حبل حياتها لتقطع حبل الابتزاز.

خامسا: إفساد المجتمع. فالمبتزون ذئاب بشرية لا يكتفون بضحية واحدة، بل يصطادون كل ضعيفة حتى يعم الفساد.

وللوقاية من الوقوع في شرك الابتزاز، ينبغي أن تبذل جملة من الخطوات الواعية والإجراءات الحكيمة التي تقي الإنسان هذا البلاء قبل أن يقع فيه،
فالحماية الحقيقية لا تبدأ بعد الحادثة، بل تبدأ من الوعي والسلوك السليم قبلها.
ومن أهم ما يوصى به في هذا الباب:

اولا: التربية الإيمانية، حيث يجب غرس الخوف من الله والحياء في نفوس البنات، فالفتاة التي تستحي من ربها لن تفرط في نفسها.

ثانيا: المصارحة مع الأهل، إذا وقعت الفتاة في ابتزاز، فالنجاة في أن تخبر أهلها، لا أن تخفي عنهم. 
فالأب والأم وإن غضبا، فإنهما في النهاية سند وحماية.

ثالثا: الاستعانة بالجهات الرسمية، وأعني بها الجهات الأمنية المختصة بالجرائم المعلوماتية، التي مهمتها إنقاذ الضحايا، وذلك بابلاغ أقرب مركز أمن أو شرطة لها لحل معضلة المبتز قبل أن تتفاقم، والأفضل عبر أهلها.

رابعا: عدم الثقة العمياء. يجب على الفتاة الحذر من كلمات الغزل من غرباء، وعدم إرسال أي صورة، أو مقطع لأي شخص مهما كان وعده وإن أظهر التدين.


وليعتبر الجميع من حادثة واقعية كمثال لواقعنا المؤلم: حيث يحكى عن فتاة في مقتبل عمرها استدرجها شاب عبر الواتساب بكلام معسول، ثم أخذ منها صورة. 
ولم يلبث أن بدأ يساومها: إما أن تستجيبي لي، وإما أن أنشر صورتك. 
فخافت وارتجفت، حتى قررت أن تضع حدا لحياتها بنفسها، فانتحرت، وقبل انتحارها كتبت رسالة لأبيها مفادها: لم أجد من ينقذني، فقررت الانتحار.

هذه الصرخة ليست صرخة فتاة واحدة، بل صرخة جيل بأكمله إذا لم يجد التوجيه والاحتواء، قررت فتياته الانتحار.

أيها الأب، أيها الأخ، أيتها الأم، كونوا جميعا قريبا من ابنتكم قبل أن يقترب منها غريب.

وأنت أيتها الفتاة، انتبهي لنفسك حتى لا تكوني ضحية وسائل التواصل الاجتماعي وغيره من الوسائل الأخرى، واعلمي أن من يتاجر بعرضك ليس محبا ولا مخلصا، بل ذئب يتلذذ بأكلك ثم يرمي بقاياك.

وأنت أيها المبتز، تذكر قول الله تعالى: (إن الله لا يخفى عليه شئ في الأرض ولا في السماء)، وقول النبي صلى الله عليه وسلم كما في صحيح مسلم: (من ستر مسلما ستره الله في الدنيا والآخرة). 
فكيف بمن يهتك الستر ويهدد العرض ويجعل الناس يقتلون أنفسهم؟ أليس لك قلب يخاف يوما يقال فيه: (وقفوهم إنهم مسئولون).

فلنكن حصنا منيعا لبناتنا وأخواتنا، ولنعلم الجيل أن الكرامة لا تباع، وأن الثقة لا تعطى إلا في إطارها الشرعي.

وفق الله الجميع لطاعته، وألهمهم رشدهم.




اقرأ أيضا



للتواصل معنا

فايس واتساب تويتر تلغرام