الأحد 10 شوال 1447 هـ || الموافق 29 مارس 2026 م


قائمة الأقسام   ||    مقالات متنوعة    ||    عدد المشاهدات: 386

العقل مخلوق والشرع وحي الخالق وكلامه نصا أو على لسان رسوله، فكيف يقدم المخلوق على الخالق، والناقص على الكامل؟!!

بقلم الدكتور صادق بن محمد البيضاني


الحمد لله الذي هدانا للإسلام، وجعل عقولنا تبعا لنور الوحي، فلا سعادة ولا هداية إلا باتباع أمر الله وشرعه، ولا شقاء ولا ضلال إلا إذا عارض الإنسان بعقله القاصر كلام ربه وهدي رسوله صلى الله عليه وسلم، ثم أما بعد:

فقد أجمع أهل الإسلام قاطبة أن العقل السليم شاهد للشرع، مؤيد له، ومفض إليه.

فالشرع نور، والعقل ضياء، ولا يمكن أن يختلف النور والضياء.

ولهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموعة الرسائل والمسائل (3 /64 - 65): (كل ما يدل عليه الكتاب والسنة فإنه موافق لصريح المعقول، والعقل الصريح لا يخالف النقل الصحيح، ولكن كثيرا من الناس يغلطون إما في هذا وإما في هذا، فمن عرف قول الرسول ومراده به كان عارفا بالأدلة الشرعية وليس في المعقول ما يخالف المنقول).

فالشرع إنما جاء ليهدي العقول، ويقومها، ويمنعها من الانحراف.

أما إذا عرض العقل على الشرع، وقدم عليه، فإن ذلك خلل في العقل ذاته، إذ كيف يقدم المخلوق على الخالق، والناقص على الكامل؟

لما أمر الله تعالى إبليس أن يسجد لآدم، اعترض بعقله الفاسد وقال: (أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين)، فرأى بعقله القاصر أن النار أشرف من الطين، فاستكبر وأبى السجود.

ولو كان عقله صحيحا لأدرك أن طاعة الله أولى، وأن الأمر الإلهي لا يعارض بالقياس العقلي العقيم.

فكان خلله العقلي سبب هلاكه الأبدي.

ومثله من اتبع الهوى وترك الشرع:

قال تعالى: (أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم).

فمن ترك الوحي واتبع شهواته ورغباته وأهواءه، فقد انحرف عقله عن وظيفته الأصلية. لأن العقل إنما جعل ليقود صاحبه إلى معرفة الله واتباع أمره، فإذا عكس وظيفته واتبع الهوى، صار أداة تبرير للمعصية والضلال بسبب انحراف في العقل المخلوق، ولهذا ذم الله الكافرين بقوله: (إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس).

فالكفار وأهل الأهواء: عقولهم معطلة وإن بدوا أذكياء.

مثلا الملاحدة واليهود والنصارى والمشركون، وإن ظهر فيهم ذكاء دنيوي في بعض العلوم والمعارف، إلا أن عقولهم في الحقيقة معطلة، لأنها لم تؤد الغاية التي خلقت لها، قال الله تعالى: (يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون).

وقال تعالى: (إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا).

فالذكاء الجزئي في أمور الدنيا لا يغني عن صاحبه شيئا إذا فقد أعظم مقصود، وهو معرفة الله واتباع وحيه.

بل إن كثيرا منهم يعرفون الحق يقينا ثم يعاندونه كبرا وحسدا، كما قال سبحانه: (وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا)، فالخلل هنا ليس في عدم المعرفة، بل في فساد العقل حين يعاند الحق بعد أن تبين له.

ومثل ذلك الآراء المخالفة للشرع: إذ مخالفتها يعود لخلل عقلي مهما تنوعت، سواء كانت الآراء ناتجة عن اجتهاد حادث مبتدع، أو عن تقليد أعمى للموروث الفاسد، أو رأي لا يستقيم عقلا أو شرعا، فإنها ما دام قد خالفت الشرع فهي وليدة عقل منحرف.

وقد قرر القرآن هذا الأصل في مواضع كثيرة، قال تعالى: (وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا أولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون).

فالتقليد الأعمى هنا ليس عقلا، بل إلغاء للعقل.

قال أحد العقلانيين بعد رجوعه إلى مذهب أهل السنة: (وجدت الدين الذي جاء به النبي صلى الله عليه وسلم موافقا للعقول الصحيحة، وما خالفه فهو شبهة فاسدة).

وقد بينت أدلة القرآن خلل العقل عند المعرضين عن الوحي.

قال تعالى: (وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير)، فترك الوحي دليل على فقدان العقل النافع.

وقال سبحانه: (أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا).

وقال جل شأنه: (إن شر الدواب عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون).

فانظر كيف قرن الله الإعراض عن الوحي بفساد العقل، لأن العقل إذا لم ينقد للوحي، كان حجة على صاحبه لا له.

والحاصل: أن العقل ليس حاكما على الشرع، ولا مساو له بل تابع له.

ومن قدم عقله على وحي ربه، فقد أساء إلى العقل نفسه قبل أن يسيء إلى الشرع، لأنه جعله في غير موضعه، كما يسيء من يستعمل السكين لغير الذبح والقطع، أو من يستعمل العين في غير النظر.

ولهذا كان عظماء الإسلام يقولون: (العقل عقلان: عقل مسموع وعقل مطبوع، ولا ينفع المطبوع إن لم يكن معه المسموع).

نسأل الله أن يرزقنا عقلا صحيحا خاضعا لنور الوحي، وأن يجنبنا زيغ العقول التي تقدم الرأي على الشرع، والهوى على الوحي، والظن على اليقين.




اقرأ أيضا



للتواصل معنا

فايس واتساب تويتر تلغرام