الأحد 10 شوال 1447 هـ || الموافق 29 مارس 2026 م


قائمة الأقسام   ||    مقالات متنوعة    ||    عدد المشاهدات: 917

الفرق بين الوقوع في البدعة أو الكفر، والحكم على من وقع في ذلك
بقلم الدكتور صادق بن محمد البيضاني


يا طالب العلم: رفقا بإخوانك، وتمهل في الأحكام، ولا تصوب سهام التبديع والتكفير قبل أن تتبين الطريق.

فليس كل من وقع في بدعة صار مبتدعا، ولا كل من نطق بكلمة كفر صار كافرا. إنما هي أحكام عظيمة، لا يقدم عليها إلا العلماء ممن جمع بين العلم والتقوى، والبصيرة والورع، وفهم النصوص في ضوء مقاصد الشريعة، لا في ضوء الغضب والغيرة المجردة، وهذا هو المعتمد وهو أصل راسخ من أصول أهل السنة والجماعة، لا يحيد عنه إلا غال أو جاهل.

وهنا أمور يجب الانتباه لها:

الأول: قد يقع المسلم في البدعة أو الكفر ولا يُحكم عليه بأنه مبتدع أو كافر.

الوقوع في البدعة أو الكفر لا يعني أن فلانا مبتدع أو كافر. والخلط بين الوقوع والحكم يؤدي إلى ظلم الناس وسوء الفهم وتفريق الصف.

فالعالم الجليل من أهل السنة إذا أخطأ في تأويل دليل متعلق بصفة من صفات الباري، أو بأصل من أصول أهل السنة – ولو كان له سلف في تأويله – ولم تتضح له الحجة، فوافق قوله قول المبتدعة، فلا يقال عنه: مبتدع، بل يقال عنه إن كان قد أفضى إلى ما قدم: وقع في بدعة، ويرجى له الأجر إن كان مخلصا متبعا، فإن كان حيا فيلزم البيان وقيام الحجة عليه، وإزالة الشبهة، فإن أصر بعد ذلك حكم عليه العالم الورع المعتبر بأنه مبتدع.

تأمل في حال كبار العلماء المتقدمين: ألم يكن فيهم من أخطأ في مسائل تأويل الصفات؟ أو في الإيمان؟ أو في بعض فروع العقيدة؟ وماتوا قبل أن تقام الحجة عليهم – في حد علمنا – ومع ذلك، ترحمنا عليهم، ولم نر سلفنا يبدعونهم. لأن الخطأ لا يساوي دائما الابتداع، ولا كل من خالف يعامل كأهل الأهواء.

قال ابن تيمية كما في مجموع الفتاوى (19/191): (وكثير من مجتهدي السلف والخلف قد قالوا وفعلوا ما هو بدعة، ولم يعلموا أنه بدعة، إما لأحاديث ضعيفة ظنوها صحيحة، وإما لآيات فهموا منها ما لم يرد منها، وإما لرأي رأوه وفي المسألة نصوص لم تبلغهم).

الثاني: إقامة الحجة شرط، ورفع الجهل لازم.

قال الله تعالى: وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا.

وقال سبحانه: لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل.

فلا عذاب إلا بعد إقامة الحجة، ولا إثم إلا بعد البيان والوضوح، فكيف بالتبديع والتكفير؟!

فقد يكون المخالف مقلدا جاهلا، أو متأولا له شبهة، أو متأثرا ببيئته، أو لم تبلغه النصوص الصحيحة. فكيف يُرجم بحكم البدعة دون أن تقام عليه الحجة وتزال عنه الشبهة؟!

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى (12/466): (ليس لأحد أن يكفر أحدا من المسلمين وإن أخطأ وغلط، حتى تقام عليه الحجة، وتبين له المحجة، ومن ثبت إسلامه بيقين لم يزل ذلك عنه بالشك، بل لا يزول إلا بعد إقامة الحجة، وإزالة الشبهة).

الثالث: من الذي يقيم الحجة؟

ليس كل طالب علم، ولا كل داعية، ولا كل متحمس غيور، يحق له أن يقيم الحجة أو ينزل الأحكام.

بل يشترط فيمن يقيم الحجة أن يكون عالما معتبرا، بصيرا ورعا، عارفا بأسباب الجرح، متجردا للحق غير متعصب لغيره، عارفا بمقاصد الشرع، متزنا في عقله وقلبه.

فعجبا لك يا طالب العلم الصغير، يا أيها المقلد: كيف تسارع إلى التبديع والتكفير دون أن تدرك دقائق المسألة، ودون تمييز بين الجهل والتعمد، ولا بين المتأول والمبتدع، ولا بين حكم من مات دون قيام الحجة عليه، وحكم من هو حي سواء قامت أم لم تقم، وهما حكمان منفصلان؟! وبين عالم معتبر ورع يخاف الله ويتقيه، وبين داعية متسرع.

الرابع: لا تقلد مشايخك في التبديع، ولا ينبغي لمشايخك أن يطالبوك بذلك أو يمتحنوك.

إن بعض طلاب العلم – هداهم الله – إذا سمعوا شيخا يبدع شخصا، تسابقوا إلى نشر الحكم، ونقلوه كأنه وحي منزل، دون تحقق، ولا فهم للسياق، ولا دراية بالملابسات.

وهذا خطر عظيم، لأن التبديع حكم شرعي، لا يجوز فيه التقليد، ومثله الكفر، بل لا بد فيه من علم وعدل وورع.

وقد ذكر الإمام الشاطبي في كتاب الاعتصام (1/64): أن (البدعة حكم شرعي، لا يثبت إلا بدليل، فلا يطلق على أحد إلا بعد تحقق شروط الحكم).

كما لا ينبغي للمشايخ مطالبة طلابهم أو إلزامهم بما ذهبوا إليه في الشيخ المختلف فيه بين أهل السنة، أو امتحانهم به، فهذه بدعة، وأول ما عرفت عن الخوارج والروافض وأهل البدع، ولذا تجد الطائفة الواحدة من المبتدعة إذا اختلفوا في مسألة، يلعن بعضهم بعضا، وكل منهم يلزم طلابه بما يراه.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى (16/28): (وليس لأحد منهم أن يأخذ على أحذ عهدا بموافقته على كل ما يريده، وموالاة من يواليه، ومعاداة من يعاديه، بل من فعل هذا كان من جنس جنكيز خان وأمثاله، الذين يجعلون من وافقهم صديقا واليا، ومن خالفهم عدوا باغيا).

وقال الشيخ عبد المحسن العباد في رسالته رفقا أهل السنة بأهل السنة (ص 22): (لا يجوز أن يمتحن أي طالب علم غيره بأن يكون له موقف من فلان المردود عليه، أو الراد، فإن وافق سلم، وإن لم يوافق بدع وهجر، وليس لأحد أن ينسب إلى أهل السنة مثل هذه الفوضى في التبديع والهجر، وليس لأحد أيضا أن يصف من لا يسلك هذا المسلك الفوضوي بأنه مميع لمنهج السلف).

الخامس: نصيحة مشفق.

الزم مجالسة العلماء والحكماء، واشتغل بإصلاح نفسك، واهتم بطلب العلم، وتربية القلب والشخصية، وتزكية النفس. ولا تجعل شغلك تصنيف الناس إلى مبتدع وسني، وضال ومهتدي، ودع الأمر لأهله، واشتغل بما ينفعك، فلا ينبغي للمرء أن يتكلم في الدين ورجاله إلا بعد أن يؤتى العلم والورع، وارفق بإخوانك، ولا تكن خصيمهم أمام الله يوم القيامة، ولا تكن سببا في تمزيق الصف، ولا فتنة في الدين، واعلم أن الله غدا سائلك عما تقول، وأن لحوم العلماء مسمومة، وأن عرض المسلم عند الله عظيم.

وفق الله الجميع لطاعته، وألهمهم رشدهم.

حرر بتاريخ 20 محرم 1447 هجرية.




اقرأ أيضا



للتواصل معنا

فايس واتساب تويتر تلغرام