كيف تحاور من ينكر أحاديث السنة الصحيحة (1)
بقلم الدكتور صادق بن محمد البيضاني
مدخل
اعلم علمني الله وإياك أن السبب الرئيس لمنكري السنة النبوية: الجهل، الذي هو أساس كل بلية، ولذا تجد منكر السنة لم يدرس علم الحديث، وليس له به صلة، ولا درس الشريعة الاسلامية على يد العلماء حتى أجازوه، فتجده يتكلم على جهل، ولا يحسن الخطاب ولا قواعد النحو والإملاء، فضلاً عن قواعد الأصول وعلم الحديث، ولا يدرك خطر ما يقوله أو يدعو إليه.. وأول من أظهر انكار السنة: الخوارج بعد وفاة رسول الله عليه الصلاة والسلام بسنين قليلة؛ حيث رفضوا المسح على الخفين ورفضوا العمل بالسنة، وقالوا: لا نأخذ التشريعات إلا من القرآن الكريم، وهذا الانحراف في المنهج ناتج عن فهم مجتزأ للقرآن، إذ لم يلتفتوا إلى الآيات التي تدعو لطاعة النبي صلى الله عليه وسلم، مثل قوله تعالى: "وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا"، وهو نص صريح في حجية السنة.
ثم توالت فرق الضلال، وظهرت مدرسة الرأي، فانتشر مذهب الاعتزال والتجهم والرفض ونحوها من الفرق التي بنت معتقداتها على الفلسفة اليونانية والعقل الصرف، وفي صفوفهم دخل كثير من المندسين من غير المسلمين، فقالوا بقول الخوارج، وبالغوا حتى قالوا لا مصدر للإسلام غير القرآن الكريم، وقد رد العلماء على هذا الزعم منذ القرون الأولى، منهم الإمام الشافعي في كتابه "الرسالة"، حيث قرر أن السنة شارحة ومبينة للقرآن، وليست منفصلة عنه، وبسبب هذه الأفكار ظهرت فتنة القول بخلق القرآن التي أطفأها الإمام أحمد بثباته، وناصره على ذلك الخليفة العباسي المتوكل. وإذا تأمل المسلم في هذه الفرق ابتداء بالخوارج والمعتزلة والجهمية وجد أن الجهل هو العلة القادحة في منهجهم وعقيدتهم حتى وقعوا في إنكار السنة.
وهكذا هو الحال في زماننا الحاضر حيث أحيا هذه الفتنة بما فيه من جهل: الماركسي المهندس محمد شحرور، والذي يحمل دكتوراه في الهندسة المدنية من ايرلندا، والمتوفى في أبو ظبي سنة 2019م، حيث لا تخصص عنده في علوم الشريعة، ولا يحسن قراءة القرآن، ولم يدرس أصول العربية، ولا علوم القرآن والسنة، لكنه أحيا هذه الفتنة المشؤومة واستفادها من كتب الفلسفة، وما كانوا عليه زمن ابتداء ظهور الفرق الضالة المشار لها آنفاً، وقد تم دعمه على مستوى دولي، ونال جوائز عظمى من جهات علمانية وجمعيات مشبوهة، ودعموه دعماً كبيراً، وهذا الدعم لا ينفصل عن سياق عالمي يسعى إلى تفكيك المنظومات الدينية من داخلها، وذلك عبر ما يُعرف بـ"تفكيك المرجعيات"، وهي استراتيجية فكرية تعتمد على إزاحة النصوص التفسيرية (كالسنة) والاعتماد على التأويل الفردي المتحرر من السياق، ولعل من يعرفه يعلم ذلك جيداً، فألف في ذلك ثلاثة عشر كتاباً بعناوين مختلفة محتجاً فيها بالقرآن وهو لا يفقهه، مدعياً أن السنة مصدر تاريخي معرفي، ولا يؤخذ منها شرع، وأن كل حديث عارض كتاب الله فهو مردود، مهما كانت درجته رواية، ودراية، حتى ولو كان متواتراً، ومما يدل على تهافت هذا الادعاء، أن القرآن نفسه يحيل إلى وقائع السنة، كبيان كيفية الصلاة والزكاة والحج، ولم ينص على تفاصيلها، مما يجعل اعتماد السنة ضرورة شرعية وعقلية، وليست خيارًا معرفيًا، وهذا هو عين البدعة التي أشرنا لها سابقاً التي بدأت في زمن الخوارج ثم تطورت في عهد الاعتزال والتجهم زمن ظهور الفرق الضالة، ولم يأت بجديد سوى إحياء فتنة انطفأت لقرون. ولجهل شحرور بعلم الكتاب والسنة حكم على كل حديث ظاهره التعارض أنه عارض نصوص الكتاب والسنة إما واقعاً حسب قوله أو عقلاً، وهنا وقفات:
الوقفة الأولى: أن الأحاديث التي يسميها معارضة كلها عنده قسم واحد، سواء كانت متواترة، أو صحيحة، أو مكذوبة، أو لا أصل لها، لكونه لا يفهم شيئاً في علم الحديث لجهله في هذا الباب.
الوقفة الثانية: أنه يقول ما خالف القرآن فهو حديث مردود، فإذا سألته: وكيف تعرف أنه خالف القرآن وأنت لم تدرس علوم القرآن؟ وليس لك في علومه باع؟ ، قال لك من خلال الظاهر، فإذا قلت له وإذا ما ظهر لنا فيه مخالفة واضحة قال : حكم عقلك. وهذا عين قول المعتزلة والجهمية والمتفلسفة، حتى انتهى حال بعضهم إلى انكار القرآن، وبعضهم ألحد، وفي زماننا كذلك تطور بعضهم من إنكار السنة إلى إنكار القرآن، ثم الإلحاد، وهكذا السيناريو يتكرر منذ أكثر من ألف وثلاثمائة سنة إلى يومنا هذا بسبب الجهل.
الوقفة الثالثة: كان الشحرور في بداية أمره يقول إن السنة مفسرة للقرآن، وتارة يقول تبعاً في نطاقات معينة منها الصلاة والزكاة، وليست مكملة له، ثم في آخر المطاف قال السنة مصدر تاريخي معرفي.. هكذا تطور حتى أسقط أغلب أحكام الشريعة، حيث في البداية كان يقول مفسرة، ثم نأخذ منها ما وافق القرآن، ثم جعل أغلب أحكام السنة من نكاح وطلاق وكل قوانين الحياة الشرعية الأخرى وتنظيمها عبارة عن أعراف العرب التي اتبعها الرسول، الذي لا سلطة له في التشريع حسب قوله، وقال السنة مجرد تاريخ معرفي، فإذا قلت له: وما الفائدة من إرسال رسول يأتي بمصدر تاريخي معرفي؟ وما فائدة معرفة ذلك للبشر؟ فلا تجد عنده جواباً لجهله، ولكونه قد صار مسيراً للطعن في مصادر التشريع: القرآن والسنة. وتاريخه منذ أعلن هذه الفتنة وخاض فيها حتى مات تاريخ متناقض بأقوال لا يتقبلها دين ولا عقل، وهذا التناقض هو نتيجة طبيعية لمنهج لا يملك أصولاً علمية، ولا ينطلق من أدوات استدلال معتبرة، كاللغة وأسباب النزول وعلوم الحديث والناسخ والمنسوخ، بل يعتمد على الذوق والعقل المجرد، ومن آخر لقاءته قال: الصلاة مجرد شعيرة، وليست عبادة، ولا هي من أركان الاسلام، ومثلها الاستعانة بالله، ونحوها ليست عبادات، وتوريث الورثة يكون بالتسوية الذكر والأنثى سواء، والخمر ليس بحرام، ولا ربا في البنوك، وإنما هي فوائد حلال، والمحرمات في كل الأديان أربعة عشر محرماً فقط، منها خمسة محرمات فقط في الاسلام، وغيرها حلال، ونحوها من الترهات رغم وجود النصوص القرآنية الموضحة أحكامها جلياً، مما يدل على أن محمد شحرور دسيسة لاسقاط الاحتجاج بالقرآن والسنة معاً، ومن يقرأ كتابه "الكتاب والقرآن" يجد فيه طعونات كبيرة للقرآن الكريم، فضلاً عن اعتبار الشحرور تطبيق الرسول للإسلام غير ملزم للأمة في شئ، رافضا أن تكون السنة مبينة، ومفصلة، ومقيدة، ومخصصة للقرآن الكريم، وقد أرسى من خلال كتابه هذا المبدأ العقلي والماركسي في تفسير القرآن حسب عقله وعقيدته الماركسية مع ربطه باللغة، بعيداً عن الحقيقة الشرعية التي يلزم تقديمها على الحقيقة اللغوية، فأظهر في كتابه هذا من الكفر والضلال الشئ العظيم، وقد صرح كثير من اتباعه اليوم بأنه لا يلزم أن يصلي الانسان بالكيفية الواردة في السنة، ولا يلزمه أن يلتزم بعدد ركعاتها لأن عدد ركعاتها مجرد أرقام لا توجد في القرآن، وسمعته يوماً يقول: الصلاة ليست عبادة، والذي يحب أن يصلي فهو مأجور، وإيمانه يزيد، والذي ما يصلي ما عليه شئ، وقد نشر هذا الكلام بكل جراءة من خلال مقابلة تلفزيونية محفوظة على اليوتيوب، فعجباً لهؤلاء الذين يقدسونه وينكرون السنة مثله، وبعضهم مثل الشحرور عوام في الشرع وخصوصاً علوم السنة، ودكاترة في تخصصات ليست شرعية، إما في الفلسفة، أو الهندسة، أو البيطرة، ونحوها، حيث يقحمون أنفسهم في علوم السنة، وهم جهلة في هذا العلم، لا ناقة لهم، ولا جمل، وبما أننا لا نرضي لمكنيكي أن يعالج أبداننا لكونه ليس طبيباً، فمن باب أولى أن لا نقبل من هؤلاء الرعاع الجهلة بالعلم الشرعي أن يعلموننا ديننا لجهلهم المطبق.
الوقفة الرابعة: تارة يقول الشحرور وأتباعه: العقل هو الذي يرشدك إلى معرفة الحق والباطل في السنة. والجواب أن عقول البشر تختلف من حيث قوة الإدراك من عدمه. فأي عقل يا شحرور نحكم؟! عقلك أم عقل من تبعك وخصوصاً أن عقولهم تختلف، بل بعضهم لا يصلي من الأصل، وخفيف عقل، ومع ذلك يناصرك، وقد اتفق علماء الإسلام أن العقل ليس مصدر تشريع مستقل، بل وسيلة لفهم النقل بما يوافق الشرع، ولهذا قال الإمام مالك: "السنة سفينة نوح، من ركبها نجا، ومن تخلف عنها هلك.
الوقفة الخامسة: انتهى كثير من أتباع شحرور إلى اسقاط الصلوات الخمس وخاصة بعدما صرح شحرور قبل موته أن الصلوات المفروضة ليست عبادة، وليست بعماد الدين بحجة أن كيفية الصلاة وعدد الركعات غير موجودة في القرآن حتى قال بعض أتباعه: فليصل من شاء بالطريقة التي يراها حسب ما يرشده له عقله، كما تطور الأمر في أتباعه حتى صرحوا وقالوا تسقط كل الأحكام الواردة في السنة. وهكذا ضاع كثير من شباب هذه الأمة في العصر الحديث وأنكروا السنة بناء على أفكار مهندس مدني لا صلة له بالعلم الشرعي، وصار هؤلاء المتأثرون يوجهون سهامهم للطعن في الإسلام وعلماء الإسلام وتجهيلهم وتضليلهم بسبب هذا الجهل، وأعادوا عهد مدرسة الرأي التي قام أساسها على الفلسفة اليونانية المحاربة للإسلام وأهله، ومن المفارقة أن هؤلاء يطعنون في رواة الحديث وعدالتهم، بينما يقبلون أقوال مفكرين معاصرين لم يُعرف عنهم علم ولا أمانة في النقل، وهو ما يسميه العلماء "ازدواجية المعايير في النقد"، ولجهل هؤلاء الشباب بالتاريخ والعلم الشرعي وصلوا إلى ما وصلوا إليه. وقد صادفت هذه الأفكار أفكار الإعلاميين العلمانيين وأشباههم، والإعلام المسير من الأعداء، فشجعوا عليها لإضعاف شوكة المسلمين، وصارت هناك قنوات كثيرة تدعم هذا الفكر بقوة لأجل تمزيق الصف الإسلامي الواحد، ولكن أكثر المخدوعين لا يعلمون.
لقد كان المهندس محمد شحرور شخصاً متناقضاً، وفتنةً وامتحاناً للمخدوعين به حتى أوقعهم في شباكه الشيطاني، ولا حول ولا قوة إلا بالله!. فحمل لواء هذه الفتنة من بعده، أتباع مدعي المهداوية، والعلمانيون، والقرآنيون الذين لم يكن لهم صيت، وكثير من الخوارج المعاصرين، واتفقوا في فكر هذه الفتنة بعينها مع فكر الرافضة والمعتزلة والجهمية ونحوها من فرق الضلال، وصاروا يقولون بقول واحد، مع أن كل جماعة منهم تلعن الجماعة الأخرى، وتسفهها، والضحية في أوساطهم جهلة الناس من شباب وعوام، وأكاديميين يحملون شهادات دكتوراه في تخصصات لا علاقة لها بعلوم الشرع والسنة فضلوا، وأضلوا خلقاً كثيرين.
للكلام بقية، وفق الله الجميع لطاعته، وألهمهم رشدهم.
حرر بتاريخ 8 ذي القعدة لعام 1446 هجرية