كيف تحاور من ينكر السنة الصحيحة (17)
بقلم الدكتور صادق بن محمد البيضاني
شبهة (9) قول منكري السنة: السنة ليست وحيا من الله وإنما اجتهاد بشري
والجواب عليهم: أن هذه الفرية من أخطر الأقوال وأشدها هدما للدين، لأنه في حقيقته ليس طعنا في الحديث فحسب، بل في رسالة النبي كلها، وفي جوهر الإسلام ذاته.
فإنك إن نفيت عن السنة صفة الوحي، فقد نزعت عن النبي صفة الرسالة، وحولته من رسول مبلغ عن ربه إلى فيلسوف أو مشرع أرضي يتكلم من عند نفسه.
وهذا قلب لمعنى النبوة من أساسه.
الله سبحانه قال عن نبيه: (وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى).
هذه الآية صريحة قاطعة، لا لبس فيها ولا تأويل، تثبت أن كل ما ينطق به النبي صلى الله عليه وسلم في شأن الدين وبيان الشرع وبلاغ الرسالة هو وحي من الله، ليس صادرا عن هوى ولا عن رأي شخصي.
ولو كان وحي الله مقصورا على القرآن وحده لما قال الله (وما ينطق عن الهوى)، بل لقال: (وما يتلو من القرآن عن الهوى)، ولكنه عمم النطق ليشمل كل ما يصدر منه عليه الصلاة والسلام من قول وتشريع وبيان.
والله تعالى أمر بطاعته مطلقا، فقال: (من يطع الرسول فقد أطاع الله)، وجعل مخالفته مخالفة لله، فقال: (فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم).
فهل يعقل أن يجعل الله طاعة بشر اجتهاداته الشخصية مساوية لطاعته؟
وهل يكون اتباع كلام بشري سببا في دخول الجنة، ومخالفته سببا في دخول النار؟
كلا والله، بل لا يكون ذلك إلا لأن كلامه وفعله وتقريره وحي من الله.
ثم انظر إلى واقع التشريع:
كيف نعرف عدد ركعات الصلاة، ومقادير الزكاة، وصفة الحج، وحدود السرقة والزنا والقصاص؟
كل ذلك لم يرد تفصيله في القرآن، وإنما ورد في السنة، وبيان النبي صلى الله عليه وسلم لها بيان من عند الله. قال تعالى: (وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم)،
فوظيفة النبي البيان، والبيان لا يكون من رأيه، بل بوحي من ربه.
إن القول بأن السنة اجتهاد بشري يلزم منه أن الدين ناقص، لأن القرآن وحده لم يأت بكل التفاصيل.
فإما أن نقول إن الله أكمل دينه بالسنة التي أوحاها إلى نبيه، وإما أن نتهم الوحي بالنقص، وكلاهما لا يجتمع مع الإيمان.
ثم تأمل سيرة النبي صلى الله عليه وسلم:
كان الوحي ينزل عليه أحيانا بالقرآن، وأحيانا بما ليس قرآنا، كما في الحديث القدسي الذي ثبت عند احمد وغيره: قال الله تعالى: (قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين...)، فهذا وحي، لكنه ليس قرآنا يتلى.
فالوحي نوعان: وحي متلو (القرآن) ووحي غير متلو (السنة)، وكلاهما من عند الله.
والسلف الصالح فهموا هذا المعنى بجلاء من غير منازع.
فدعواهم أن النبي صلى الله عليه وسلم اجتهد من نفسه، فهي مغالطة.
نعم، قد يجتهد أحيانا، ولكن الوحي كان يصوبه أو يقره، فإن وافق الحق أقره الله، وإن أخطأ جاء الوحي مصححا، كما في قصة أسرى بدر وغيرها.
ففي الصحيحين: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر وعمر حين أُتي بالأسرى يوم بدر: ما ترون في هؤلاء الأسرى؟ فقال أبو بكر: يا نبي الله، هم بنو العم والعشيرة، أرى أن تأخذ منهم فدية، فيكون ما أخذناه قوة لنا على الكفار، فعسى الله أن يهديهم للإسلام.
وقال عمر: لا والله يا رسول الله، ما أرى ما رأى أبو بكر، ولكني أرى أن تمكننا منهم فنضرب أعناقهم... فهوي رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قال أبو بكر، ولم يهو ما قال عمر، فأخذ منهم الفداء، فلما كان من الغد جاء عمر، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر قاعدان يبكيان، قال: يا رسول الله، ما يبكيك أنت وصاحبك؟ فإن وجدت بكاء بكيت، وإن لم أجد بكاء تباكيت لبكائكما، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أبكي للذي عرض علي أصحابك من أخذهم الفداء، لقد عرض علي عذابكم أدنى من هذه الشجرة، وأنزل الله تعالى: ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض...).
حتى اجتهاده داخل تحت عين الوحي وحمايته.
فمن زعم أن السنة اجتهاد بشري فقد جهل مقام النبوة، وجهل معنى الوحي، وجهل أن الدين وحي من الله كله، قرآنا وسنة.
هل تظن يا من تنكر السنة أن الله يرسل رسولا ثم يتركه يقول في الدين من نفسه؟
هل تعتقد أن الله يأمرنا باتباعه دون أن يضمن عصمته في البلاغ؟
إن هذا الظن ظن السوء برب العالمين، الذي قال: (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي، ورضيت لكم الإسلام دينا).
فلو كانت السنة من عند النبي نفسه لما كان الدين كاملا، ولا النعمة تامة.
ولكن الله أكمل الدين بالقرآن والسنة معا، وحفظ كليهما بأهل العلم والحفاظ والمحدثين الذين سخرهم الله لحفظ بيانه كما حفظ كتابه.
إن من ينكر الوحي في السنة كمن أنكر الشمس وقت الظهيرة ثم قال: إنما هذا نور مصباح.
يرى النور فيكذب عينه، ويسمع الحق فيصم أذنه.
أيها المنكر للسنة، إن كنت باحثا عن الحق فاعلم أن الله لا يأمر بطاعة بشر يتكلم من نفسه، ولا يجعل مخالفته عذابا إلا إذا كان قوله وفعله بوحي منه.
إن هجر السنة هو هجر القرآن نفسه، فهي شرحه وتطبيقه وتفصيله.