كيف تحاور من ينكر أحاديث السنة الصحيحة (5)
بقلم الدكتور: صادق بن محمد البيضاني
شبهة(1) قولهم: إن أحاديث السنة وصلتنا بالرواية، بخلاف القران الكريم
من مغالطات منكري أحاديث السنة وكذا منكري بعضها قولهم: "القرآن محفوظ، أما السنة فإنها وصلتنا بالرواية، ولا حجة في الروايات".
والجواب: أن القرآن والسنة كلاهما وصلا إلينا بالرواية، وهذا مما لا خلاف فيه بين المسلمين باختلاف طوائفهم.
فقد نزل القرآن الكريم على النبي عليه الصلاة والسلام مفرقا حسب الأحداث على مدار الحياة التي عاشها منذ البعثة حتى توفي، وخلال هذه الفترة الزمنية جمعه الله في صدره كما قال سبحانه:"إن علينا جمعه وقرآنه"، وقد اشتهر أربعة من أصحابه بجمعه في العهد النبوي وهم: معاذ بن جبل وأبي بن كعب وزيد بن ثابت وابو زيد، وكلهم من الأنصار، ولا شك ان هناك غيرهم، فقد قرأ ابن مسعود وعثمان وعليّ وأبيّ وزيد وغيرهم القرآن على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانوا من حفاظ كتاب الله. وبعض الصحابة كان يكتب منه ما سمعه، فلما توفي النبي صلى الله عليه وسلم أمر الخليفة ابو بكر زيد بن ثابت الأنصاري وكان ممن يكتب الوحي بجمعه في مصحف واحد، قال زيد: فتتبعت القرآن أجمعه من الرقاع والأكتاف والعسب وصدور الرجال، وكانت الصحف التي جمع فيها القرآن عند أبي بكر حتى توفاه الله، ثم عند حفصة بنت عمر، فلما جاء زمن الخليفة عثمان، - و كان الناس كل منهم يقرأ بقراءة، منها قراءة أبي بن كعب، وقراءة ابن مسعود وغيرهما من القراءات - امر بجمعهم على قراءة واحدة ومصحف واحد حيث امر سعيد بن العاص وهو أفصح قراءة، وزيد بن ثابت وهو اقرأ الناس، وقال لهما:" ليكتب أحدهما ويمل الآخر ففعلا "، وجمع الناس على مصحف واحد وهو ما يسمى بالمصحف العثماني" وعليه اجمع الصحابة ومن بعدهم، وقد امر باحراق كل المصاحف الاخرى بعد استشارة الصحابة رضوان الله عليهم.
وهكذا كتب الرواة نسخا من المصحف العثماني وتناقلوها وعلموها جيلا بعد جيل وانتشر القراء ثم القراءات حتى وصلنا القرآن الكريم باتصال السند عبر الرواة عن مثلهم إلى الصحابة إلى النبي محمد صلى الله عليه وسلم.
وقد دون القراءات السبع المتواترة الإمام أحمد بن موسى بن العباس المشهور بابن مجاهد، وقد ولد سنة 245 هـ يعني قبل وفاة البخاري بإحدى عشرة سنة، وتوفي سنة 324 هـ، وهو أول من دون القراءات السبع المتواترة في كتاب مستقل، حيث دونها في كتابه: "القراءات السبع"، ولم تدون القراءات السبع معا إلا بعد وفاة الإمام البخاري رحمه الله، ثم تطور عصر تدوين القراءات فدونت القراءات العشر المتواترة وغيرها في كتب متعددة، وهذه القراءات كلها مرويات بالأسانيد، وهذه حقيقة مجمع عليها، لا ينكرها إلا جاهل لا علم له، وسأكتفي لكم بمثال عن رواية واحدة من إحدى القراءات العشر المروية ليفهم القراء تدليس وكذب القرانيين والمستشرقين والعقلانيين والزنادقة المشككين القاصدين الطعن في الرواة الحفاظ الذين حفظوا لنا السنة:
المثال: سند قراءة عاصم، وقد اشتهر لعاصم الكوفي راويان هما: حفص، وشعبة، فمثلا رواية حفص عن عاصم: فقد روى حفص بن سليمان الكوفي الأسدي القراءة عن عاصم بن أبي النَّجود، عن أبي عبد الرحمن عبد الله بن حبيب السلميّ الضرير وأبي مريم زِرِّ بن حُبَيْش الأسديّ وأبي عمرو سعد بن إياس الشيباني، وقرأ هؤلاء الثلاثة بالرواية على عبد الله بن مسعود، وقرأ أبوعبد الرحمن السّلميّ وزِرِّ بن حبيش أيضاً على عثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهما، وقرأ السلمي أيضاً على أبيّ بن كعب وزيد بن ثابت رضي الله عنهما، وقرأ ابن مسعود وعثمان وعليّ وأبيّ وزيد على رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وهكذا بقية القراء العشرة، فــ: قراءة نافع المدني: جاءت بروايات، اشتهر منها راويان: قالون، وورش، وقراءة ابن كثير المكي: اشتهر منها راويان: البزي، وقنبل، وقراءة أبي عمرو البصري: اشتهر منها راويان: الدوري، والسوسي، وقراءة ابن عامر الشامي: اشتهر منها راويان: هشام السلمي، وابن ذكوان، وقراءة حمزة الكوفي: اشتهر منها راويان: خلف، وخلاد، وقراءة الكسائي: اشتهر منها راويان: أبو الحارث الليث، وحفص بن عمر الدوري، وقراءة أبي جعفر المدني: اشتهر منها راويان: عيسى بن وردان، وابن جمّاز، وقراءة يعقوب الحضرمي: اشتهر منها راويان: رويس، وروح، وقراءة خلف: اشتهر منها راويان: إسحاق، وإدريس.
وقد قال العلماء: أصح القراءات سندا، قراءة نافع (169هـ)، وعاصم (127هـ)، وأفصحها قراءة أبي عمرو (154هـ)، والكسائي (189هـ).
وبين وفاة هؤلاء القراء وكذا بقية العشرة وبين رسول الله عليه الصلاة والسلام منذ وفاته أكثر من مائة سنة، ليدل ذلك على أن الرواية الثابتة هي الفيصل في وصول القرآن وأحاديث السنة إلينا.
وقد قال علماء القراءات: القراءة سنة متبعة، يلزم قبولها، والمصير إليها، والمراد بـ (القراءة) هنا إحدى القراءات العشر المتواترة.
وقالوا أيضاً: ضابط القراءة الصحيحة: صحة السند، وموافقة الرسم العثماني، وموافقة العربية، واشتهارها بالقبول عند علماء القراءات.
والخلاصة: أن القرآن والسنة وصلا إلينا بالرواية، وبها تم ضبط المرويات، وقد سبق بيان ذلك مع المثال باختصار حتى يدرك الجمهور المغالطات التي يشيعها منكرو أحاديث السنة لأجل إسقاطها، وقد قلت في لقاء سابق: إن المستشرقين والحداثيين والعقلانيين وبعض الطوائف الضالة سعوا لإسقاط مرويات السنة لأجل أن يكون سلماً لإسقاط حجية القرآن كما فعل الماركسي محمد شحرور حيث تعدى إنكاره لأحاديث السنة الصحيحة فأسقط بالتدريج أحكام القرآن، ومن آخر لقاءته قال: الصلاة مجرد شعيرة، وليست عبادة، ولا هي من أركان الإسلام، ومثلها الاستعانة بالله، ونحوها ليست عبادات، وتوريث الورثة يكون بالتسوية الذكر والأنثى سواء، والخمر ليس بحرام، ولا ربا في البنوك، وإنما هي فوائد حلال، والمحرمات في كل الأديان أربعة عشر محرماً فقط، منها خمسة محرمات فقط في الإسلام، وغيرها حلال، ونحوها من الافتراءات على الله ورسوله رغم وجود النصوص القرآنية الموضحة أحكامها جلياً، مما يدل على أن محمد شحرور دسيسة لإسقاط الاحتجاج بالقرآن والسنة معاً، ومن يقرأ كتابه "الكتاب والقرآن" يجد فيها طعونات عظيمة للقرآن الكريم، فضلاً عن قول الشحرور: تطبيق الرسول للإسلام غير ملزم للأمة في شئ.
قال شيخ الإسلام الشوكاني في كتابه إرشاد الفحول (ص ٣٣): "اعلم أنه قد اتفق من يعتد به من أهل العلم أن السنة المطهرة مستقلة بتشريع الأحكام، وأنها كالقرآن في تحليل الحلال، وتحريم الحرام"اهـ.
وفق الله الجميع لطاعته، وألهمهم رشدهم.
حرر بتاريخ 21 ذي القعدة لعام 1446هـ