الأحد 14 ذو الحجة 1447 هـ || الموافق 31 ماي 2026 م


قائمة الأقسام   ||    كيف تحاور من ينكر أحاديث السنة الصحيحة    ||    عدد المشاهدات: 242

كيف تحاور من ينكر أحاديث السنة الصحيحة (10)
بقلم الدكتور صادق بن محمد البيضاني

خلاصة شبهة(2): تأَخُّر تدوين أحاديث السنة


تكلمنا في الحلقات الأربع السابقة عن: شبهة تأَخُّر تدوين أحاديث السنة، وردينا على المستشرقين والقرآنيين والعقلانيين والفلاسفة، ومن نحا نحوهم من منكري السنة الذين زعموا رد السنة لتأخر التدوين عن العهد النبوي، وخلاصة ما ذكرنا - من الرد - ما يلي:

أولاً: كتابة الحديث في العهد النبوي.

أذن النبي -عليه الصلاة والسلام- للصحابة بكتابة الحديث النبوي في عهده في مجموعة من الأحاديث الصحيحة، ولا يصح أنه نهاهم عن ذلك سوى حديث عند مسلم وأحمد وغيرهما أنه قال: "لا تَكْتُبُوا عَنِّي، وَمَنْ كَتَبَ عَنِّي غَيْرَ الْقُرْآنِ فَلْيَمْحُهُ"، وقد ضعفه البخاري وغيره، وعلى فرض صحته فإما أن نحمله على أنه منسوخ، أو أن النهي كان في أول الأمر من حياة النبي -عليه الصلاة والسلام- حتى لا يختلط كلامه بالقرآن، وخشية ركون الصحابة إلى الكتابة وترك الحفظ، فقد ثبت في كتب الصحاح والسنن والمسانيد والمعاجم كثير من الأحاديث الصحيحة التي أذن فيها النبي -عليه الصلاة والسلام- للصحابة بالكتابة للحديث النبوي كما تقدم ذكرها حديثًا حديثًا، وهناك كتاب عمرو بن حزم الذي كتبه النبي-صلى الله عليه وسلم- إلى أهل اليمن، وهو كتاب طويل الذي فيه الفرائض والسنن والديات، وقد صح منه الكثير بالشواهد والمتابعات، وأيضا أن النبي -عليه الصلاة والسلام- قد كتب كتبا كما ثبت في الصحيحين وغيرهما إلى كسرى وقيصر والنجاشي، وإلى المنذر بن ساوى العبدي صاحب البحرين، وإلى المقوقس عظيم القبط، صاحب الإسكندرية، وإلى الحارث بن أبي شَمِر الغسَّاني ملك الشام، وإلى هوذة بن علي الحنفي صاحب اليمامة، وإلى بكر بن وائل، وكتب لوائل بن حجر -رضي الله عنه- إلى قومه في حضرموت كتابا، وفيه الأصول العامة للإسلام، وبعض أحكام الزكاة، وذكر بعض المحرمات، وكتابه -صلى الله عليه وسلم- إلى بني زهير بن أُقَيش مع صاحبهم النَّمر بن تَوْلَب الشاعر رضي الله عنه، وفيه دعوتهم للإسلام، وأداء الخمس وسهم الصفي، وإلى ملوك وبلدان وقبائل آخرين من عرب وأعاجم يدعوهم فيها إلى الإسلام، وقد ألف العلامة ابن طولون في ذلك كتاباً أسماه: "إعلام السائلين عن كتب سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم" بلغت قرابة خمسين كتاباً.

ثانياً: كتابة الحديث في عهد الخلفاء الراشدين -عصر الصحابة- بعد وفاة النبي عليه الصلاة والسلام.

الخلفاء الراشدون الأربعة وهم: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي كان يكتبون كتباً للولايات تشتمل على مجموعة من أحاديث النبي -عليه الصلاة والسلام- للعمل بها، كما صح ذلك في كتب الصحاح والسنن والمسانيد والمعاجم وغيرها، وقد ذكرنا جملة من هذه الآثار كما تقدم، كما ذكرنا أن كتابة الحديث الشريف ثبتت عن كثير من الصحابة منهم الخلفاء الراشدون الأربعة، وعائشة وأبو هريرة ومعاوية بن أبي سفيان وعبد الله بن عباس وابن مسعود وعبد الله بن عمر وعبد الله بن عمرو بن العاص والبراء بن عازب وأنس بن مالك وسمرة بن جندب وجابر بن سمرة وزيد بن أرقم وزيد بن ثابت والحسن بن علي وعبد الله بن أبي أوفى وغيرهم كثير، وقد شهرت مجموعة صحف لكثير من الصحابة منها: صحيفة علي، والصحيفة الصادقة لعبد الله بن عمرو، وصحيفة سعد بن عبادة الأنصاري، وصحيفة عبد الله بن أبي أوفى، ونسخة سمرة بن جندب، وكتاب أبي رافع مولى النبي صلى الله عليه وسلم، وكتب أبي هريرة رغم قوة حفظه، وصحيفة أبي موسى الأشعري، وصحيفة جابر بن عبد الله الأنصاري، وصحيفة أبي سلمة نبيط بن شريط الأشجعي رضي الله عنه، وأجبنا على عدة آثار لا يصح إسنادها عن أبي بكر وعمر أنهما كانا يمنعان من رواية الحديث، وقلنا بأنها آثار لا يصح إسنادها ومخالفة لواقع أبي بكر وعمر فهما من أهل الحديث ورواته سوى آثار صحت وكان المقصود منهما التقليل من رواية الحديث اجتهاداً منهما وتورعاً حتى لا ينشغل الصحابة عن كتاب الله وأيضاً ذماً للاتكال على الكتابة، فقد كانوا يكتبون احتياطاً واستيثاقاً، ولا يصح أثر إحراق أبي بكر لخمسمائة حديث لكون الأثر يُروى عن ابن أبي مليكة وقد أرسله، ولم يولد إلا في خلافة علي بن أبي طالب، ولا يصح أيضاً ما أخرجه عبد الرزاق في جامع معمر (١١/٢٥٧) عن عروة بن الزبير: "أن عمر بن الخطاب أراد أن يكتب السنن، فاستفتى أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- في ذلك، فأشاروا عليه بأن يكتبها، فطفق عمر يستخير الله فيها شهرا، ثم أصبح يوما وقد عزم الله له، فقال: إني كنت أريد أن أكتب السنن وإني ذكرت قوما كانوا قبلكم كتبوا كتبا، فانكبوا عليها وتركوا كتاب الله، وإني والله لا أشوب كتاب الله بشيء أبداً"، فهذا إسناد ضعيف: فعروة بن الزبير لم يسمع من عمر رضي الله عنهم، أما حديث ابن عباس في صحيح البخاري قَالَ: "لَمَّا حُضِرَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قال: فِي الْبَيْتِ رِجَالٌ فِيهِمْ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ قَالَ: هَلُمَّ أَكْتُبْ لَكُمْ كِتَابًا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ قَالَ عُمَرُ: إِنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- غَلَبَهُ الْوَجَعُ وَعِنْدَكُمْ الْقُرْآنُ، فَحَسْبُنَا كِتَابُ اللَّهِ"، فليس فيه اعتراض على النبي -عليه الصلاة والسلام- في الكتابة ولا هو دليل لمن يقول إن عمر لم يكن يدعو إلى الاحتجاج بالسنة، وإنما قصد حسبنا كتاب الله إن توفي رسول الله مع ما جاء في سنته، فقد كان من أحرص الصحابة على السنة كما تقدم في الأمثلة السابقة، ومن حرصه أيضاً أنه: كان يسأل الصحابة عن أحاديث الأحكام كلما طرأ له أمر لا علم له به في السنة، وربما شدد أحياناً في شهادة صحابي يشهد على ما سمعه من آخر.

ثالثاً: كتابة الحديث في عصر التابعين.

في هذا العهد عاش أيضاً صحابة أجلاء كثيرون وعنهم أخذ التابعون الأحاديث زمن الخلفاء الراشدين الأربعة، ودونوها في صحفهم وكتبهم، وكان الراوي التابعي الثقة في هذا الزمن يقول حدثني فلان الصحابي أن رسول الله قال أو فعل ونحوها من عبارات التحديث، واستمرت الرواية حتى جاء زمن الخليفة معاوية بن أبي سفيان، وكان ممن يكتب ويراسل الصحابة في طلب الحديث كتابةً، وفي زمانه نشط الصحابة وكبار التابعين في التحديث، وكان في ذلك العصر مجموعة من أصحاب رسول الله -عليه الصلاة والسلام- منهم: ابن عباس وابن عمر وعبد الله بن عمرو بن العاص، وأبو سعيد الخدري وأبو موسى الأشعري والحسن بن علي، وسعد وأسامة وجابر وزيد بن ثابت ومسلمة بن مخلد ورافع بن خديج وأبو أمامة وأبو مسلمة وأنس بن مالك وغيرهم كثير، وكلهم من رواة الحديث وعنهم كتب، وأخذ جمع غفير من التابعين الأعلام، وكان سعيد بن جبير يكتب عن ابن عباس حتى تمتلئ صحفه، وكانت للحسن بن أبي الحسن البصري كُتُبٌ يتعاهدها، فقد قال: "إن لنا كُتُبًا كنا نتعاهدها"، وجاء عن بعضهم النهي عن الكتابة في مواضع قصدوا بها ذم الاتكال على الكتابة، وكانوا يكتبون احتياطاً واستيثاقاً، وفي عصر التابعين كثرت الصحف التي كتبها التابعون عن الصحابة، ومن أشهرها: الصحيفة الصحيحة لهمام بن منبه، وقد دونها ورواها عن أبي هريرة، وصحف محمد بن مسلم بن تدرس عن جابر بن عبد الله الأنصاري، وصحيفة أربدة عن ابن عباس، وصحيفة أبي مالك الغفاري عن ابن عباس، وصحيفة أبي الأسود عن عروة، وصحف مجاهد بن جبر عن ابن عباس، وصحيفة زيد بن أبي أُنيسة الرُّهَاوي، وصحيفة أبي قِلابة التي أوصى بها عند موته لأيوب السختياني، وصحيفة أيوب بن أبي تميمة السختياني، وصحيفة هشام بن عروة بن الزبير، وغيرها كثير.

رابعاً: عصر أتباع التابعين هو عصر تدوين أحاديث السنة في مؤلفات مستقلة نهاية المائة الأولى وبداية المائة الثانية.

ظهر في عهد أتباع التابعين مصنفات مستقلة في الحديث النبوي، وذلك مما سمعوه وكتبوه عن التابعين الذين كتبوا وسمعوا من الصحابة، وأول من ألف كتبا في الحديث ودونها محدث مكة الإمام المحدث ابن جريج: المولود سنة 80هـ والمتوفى سنة 150هـ وهو من أتباع التابعين وله كتاب السنن، قال الإمام أحمد بن حنبل كما في تذكرة الحفاظ للذهبي (1/128): "كان من أوعية العلم. وهو وابن أبي عروبة أول من صنف الكتب" اهـ.

وقد قلنا إن تدوين الحديث كان مشهورًا في أوساط القرن الأول الهجري بأمر من والي مصر عبد العزيز بن مروان بن الحكم حيث كلف بهذه المهمة كثير بن مرة الحضرمي [20هـ-90هـ]، وكان قد أدرك بحمص سبعين بدريًا من أصحاب رسول الله، ولما تولى ابنه عمر بن عبد العزيز الخلافة عام 99هـ كلف أبا بكر بن حزم وابن شهاب الزهري وغيرهما على نهاية القرن الأول الهجري بجمع الحديث النبوي، وقد تم جمعه في دفاتر انتشرت في البلدان الإسلامية كما تقدم، وفي هذه الحقبة الزمنية ظهرت المصنفات الحديثية في كتب مستقلة تنسخ وتباع لدى الوراقين، ثم تسابق المحدثون في بداية القرن الهجري الثاني إلى تدوين كل ما وقفوا عليه من الأحاديث والآثار، دون أن يفردوا الأحاديث على حده، بل جمعوا الحديث ومعه أقوال وأفعال الصحابة والتابعين، فظهر في هذا القرن أئمة الحديث الكبار من طبقة أتباع التابعين، وصنفوا كتبًا في الحديث والآثار، ومن هؤلاء المحدثين الكبار: في مكة الإمام المحدث عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج البصري [80هـ-150هـ]، وكتابه يُعد بعد كتاب أبي بكر بن حزم والزهري أول مصنف في علم الحديث واسمه "السنن"، ثم تلا ابن جريج: ربيع بن صبيح السعدي البصري [60هـ-140هـ] وسعيد بن أبي عروبة [100هـ-156هـ] وعبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي بالشام [88هـ-157هـ]، وسفيان الثوري [97هـ-161هـ] ومحمد بن فضيل بن غزوان بالكوفة [110هـ-193هـ]، وحماد بن سلمة [110هـ-167هـ] وروح بن عبادة بالبصرة [110هـ-188هـ]، ومالك بن أنس [93هـ-179هـ] وسفيان بن عيينة بالمدينة [107هـ-198هـ]، وعبد الله بن المبارك بخراسان [118هـ-181هـ]، وعبد الله بن وهب [125هـ-197هـ] بمصر، ومعمر بن راشد [95هـ-153هـ] وعبد الرزاق بن همام الصنعاني [126هـ-211هـ] باليمن، وهشيم بن بشير [104هـ-183هـ] بواسط، وغيرهم كثيرون، وكل هؤلاء المذكورين من أتباع التابعين، وكل أسانيدهم إلى رسول الله ثنائية لقربهم من عهد الصحابة يقول فيه المحدث منهم: حدثنا فلان التابعي عن فلان الصحابي عن رسول الله، ونحوها من ألفاظ التحديث، وتارة ثلاثية يروي عن تابعي عن مثله عن الصحابي.

وبهذا يتبين لنا أن التصنيف في كتب حديثية مستقلة بدأ في عصر أتباع التابعين في العهد الأموي وكذلك في بدايات العهد العباسي، ثم استمر في عهد الدولة العباسية، حتى ظهر الإمام المحدث محمد بن إسماعيل البخاري [194هـ-256هـ] ولا يُعد البخاري من جيل أتباع التابعين، وقد حاول المستشرقون أن يطعنوا في البخاري بحجة أنه روى عن النبي ولم يره، وهذه من أغاليطهم، فإن البخاري لم يظهر إلا بعد زمن التدوين، وكتابه "الصحيح" أخذه بالرواية والكتابة عن المصنفين والرواة قبله إلى الرسول الكريم، وهو أشد المحدثين على الإطلاق في شرط قبول راوي الحديث في صحيحه حيث اشترط البخاري أن يكون الراوي الثقة قد عاصر شيخه، وثبت سماعه منه، وهو أول من صنف في الصحيح المجرد.

وفق الله الجميع لطاعته وألهمهم رشدهم.




اقرأ أيضا



للتواصل معنا

فايس واتساب تويتر تلغرام