الجمعة 8 شوال 1447 هـ || الموافق 27 مارس 2026 م


قائمة الأقسام   ||    كيف تحاور من ينكر أحاديث السنة الصحيحة    ||    عدد المشاهدات: 175

كيف تحاور من ينكر أحاديث السنة الصحيحة (8)
بقلم الدكتور صادق بن محمد البيضاني

شبهة(2 - ج): تأَخُّر تدوين أحاديث السنة


أثبتنا في اللقائين السابقين بالأسانيد الصحيحة أن كتابة الحديث النبوي وتدوينه في صحف مستقلة كان موجوداً على عهد النبي عليه الصلاة والسلام بتوجيه منه، وهكذا كان عهد الخلفاء الراشدين الأربعة عهداً مزدهراً بمجالس الصحابة الذين كانوا يقومون بروايته وإملائه لطلبة العلم الذين كتبوا عنهم سواء كان طلابهم من صغار الصحابة أو كبار التابعين، وقلنا: في صحيح البخاري وغيره: "أَنَّ أَبَا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كَتَبَ لَأنس إِلَى البَحْرَيْنِ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، هَذِهِ فَرِيضَةُ الصَّدَقَةِ الَّتِي فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى المُسْلِمِينَ، وَالَّتِي أَمَرَ اللَّهُ بِهَا رَسُولَهُ.."، ثم ذكرها مفصلة، وقد سبق معنا: أن أسيد بن حضير الأنصاري رضي الله عنه كتب بعض الأحاديث النبوية في قضاء أبي بكر وعمر وعثمان، وأرسله إلى مروان بن الحكم، وأن عمر بن الخطاب كتب إلى عتبة بن فرقد وهو بأذربيجان بعض الأحاديث، وقد جاءت كتابة السنة عن أبي بكر وعمر وعلي وعائشة وأبي هريرة ومعاوية بن أبي سفيان وعبد الله بن عباس وابن مسعود وعبد الله بن عمر وعبد الله بن عمرو بن العاص والبراء بن عازب وأنس بن مالك والحسن بن علي وعبد الله بن أبي أوفى وغيرهم كثير، وقد عرفت مجموعة صحف لكثير من الصحابة منها: صحيفة علي، والصحيفة الصادقة لعبد الله بن عمرو، وصحيفة سعد بن عبادة الأنصاري، وصحيفة عبد الله بن أبي أوفى، ونسخة سمرة بن جندب، وكتاب أبي رافع مولى النبي صلى الله عليه، وكتب أبي هريرة رغم قوة حفظه، وصحيفة أبي موسى الأشعري، وصحيفة جابر بن عبد الله الأنصاري، وصحيفة أبي سلمة نبيط بن شريط الأشجعي رضي الله عنه، وقد " كتب جابر بن سمرة رضي الله عنه بعض أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعث بها إلى عامر بن سعد بن أبى وقاص بناء على طلبه"، و"كتب زيد بن أرقم رضي الله عنه بعض الأحاديث النبوية وأرسل بها إلى أنس بن مالك رضي الله عنه"، و"كتب زيد بن ثابت في أمر الجَدِّ إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه بناء على طلب عمر" وقد جمع سمرة بن جندب ما عنده من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعث به إلى ابنه سليمان، وأجبنا على عدة آثار لا يصح إسنادها عن أبي بكر وعمر أنهما كانا يمنعان من رواية الحديث، وقلنا بأنها آثار لا يصح إسنادها ومخالفة لواقع أبي بكر وعمر فهما من أهل الحديث ورواته سوى آثار صحت وكان المقصود منهما التقليل من رواية الحديث اجتهاداً منهما وتورعاً حتى لا ينشغل الصحابة عن كتاب الله وأيضاً ذما للاتكال على الكتاب، فقد كانوا يكتبون احتياطاً واستيثاقاً.

كتابة الحديث وتدوينه في عهد التابعين الذين رووا عن الصحابة:

في هذا العهد بقي كثير من الصحابة الأجلاء الذين عاشوا زمن التابعين، وعنهم روى التابعون الأحاديث زمن الخلفاء الراشدين الأربعة ودونوها في صحفهم وكتبهم، وكان الراوي التابعي الثقة في هذا الزمن يقول حدثني فلان الصحابي أن رسول الله قال أو فعل ونحوها من عبارات التحديث، واستمرت الرواية حتى جاء زمن الخليفة معاوية بن أبي سفيان، وكان ممن يكتب ويراسل الصحابة في طلب الحديث كتابةً، وفي زمانه نشط الصحابة وكبار التابعين في التحديث، وكان في ذلك العصر مجموعة من أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام منهم: ابن عباس وابن عمر وعبد الله بن عمرو بن العاص وأبو سعيد الخدري وأبو موسى الأشعري والحسن بن علي وسعد وأسامة وجابر وزيد بن ثابت ومسلمة بن مخلد ورافع بن خديج وأبو أمامة وأبو مسلمة وأنس بن مالك وغيرهم كثير،وكلهم من رواة الحديث وعنهم روى جمع غفير من التابعين الأعلام منهم محمد بن سيرين و سعيد بن المسيب والحسن البصري وإبراهيم النخعي وعطاء وعروة بن الزبير بن العوام والقاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود ابن أخي عبد الله بن مسعود وخارجة بن زيد بن ثابت وسليمان بن يسار مولى ميمونة بنت الحارث وعبد الملك وعبد الله ابنا يسار وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة وسالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب وأبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف الزهري، وخلق كثير، وفي هذا العصر اشتهر مجموعة من التابعين بكتابة الحديث كسعيد بن جبير وسعيد بن المسيب وعامر الشعبي والضحاك بن مزاحم والحسن البصري ومجاهد بن جبر ورجاء بن حيوة وعطاء بن أبي رباح ونافع مولى ابن عمر وقتادة السدوسي، وأبي بردة بريد بن عبد الله بن أبي بردة، وهشام بن عروة بن الزبير، وكثير منهم لهم صحف جمعوها عن الصحابة وعن كبار التابعين، وكان بعض التابعين يمتنع عن الكتابة ويحفظ ويحدث من حفظه وهم قليل، وقد شهر منهم: عبيدة السلماني وإبراهيم التيمي وإبراهيم بن يزيد النخعي وعامر الشعبي وقد صح عنه وعن غيره أيضاً الكتابة فقد جاء عنه أنه قال: "هذا باب من الطلاق جسيم، إذا اعتدت المرأة وورثت..." ثم ساق فيه أحاديث، وكان سعيد بن جبير يكتب عن ابن عباس حتى تمتلئ صحفه، وكانت للحسن بن أبي الحسن البصري كُتُبٌ يتعاهدها، فقد قال : إن لنا كُتُبًا كنا نتعاهدها"، ولذلك: فإنما قصدوا ذم الاتكال على الكتاب، وكانوا يكتبون احتياطاً واستيثاقاً.

وفي هذه الفترة كانت الفتوحات الإسلامية قد كثرت واختلط العرب بالعجم كثيراً، وكثرت الفتن والمحن، وظهرت مدرسة الرأي وانتشر المبتدعة الذين نسبوا لرسول الله عليه الصلاة والسلام ما لم يقل إلا أن أهل الحديث في ذلك العصر تصدوا لهذه المرويات المكذوبة وبينوا كذبها وكذب قائلها.

يقول التابعي الكبير محمد بن سيرين كما أخرج ذلك مسلم في مقدمته(1/15): "لَمْ يَكُونُوا يَسْأَلُونَ عَنِ الْإِسْنَادِ، فَلَمَّا وَقَعَتِ الْفِتْنَةُ، قَالُوا: سَمُّوا لَنَا رِجَالَكُمْ، فَيُنْظَرُ إِلَى أَهْلِ السُّنَّةِ فَيُؤْخَذُ حَدِيثُهُمْ، وَيُنْظَرُ إِلَى أَهْلِ الْبِدَعِ فَلَا يُؤْخَذُ حَدِيثُهُمْ"، وهذا هو سبب تسمية أهل السنة بهذا الاسم، وهذا هو السبب الرئيس لحاجة الإسناد لأهميته، ومن هنا بدأ ضبط الرواية وشروط الراوي الذي تقبل روايته من الراوي الذي لا تقبل روايته.

وفي عصر التابعين كثرت الصحف التي كتبها التابعون الحفاظ الثقات عن الصحابة، ومن أشهرها: الصحيفة الصحيحة لهمام بن منبه، وقد دونها ورواها عن أبي هريرة، وصحف محمد بن مسلم بن تدرس عن جابر بن عبد الله الأنصاري، وصحيفة أربدة عن ابن عباس، وصحيفة أبي مالك الغفاري عن ابن عباس، وصحيفة أبي الأسود عن عروة، وصحف مجاهد بن جبر عن ابن عباس، وصحيفة زيد بن أبي أُنيسة الرُّهَاوي، وصحيفة أبي قِلابة التي أوصى بها عند موته لأيوب السختياني، وصحيفة أيوب بن أبى تميمة السختياني، وصحيفة هشام بن عروة بن الزبير، وغيرها كثير، وسيأتي مزيد بسط لبيان صحة أسانيد هذه الصحف والنسخ في موضعه إن شاء الله.

أخرج الخطيب من عدة طرق في كتاب تقييد العلم (في مواضع عدة بألفاظ عدة) أن الشَّعْبِيَّ قال: "لَا تَدَعَنَّ شَيْئًا مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا كَتَبْتَهُ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ مِنْ مَوْضِعِهِ مِنَ الصَّحِيفَةِ وَإِنَّكَ تَحْتَاجُ إِلَيْهِ يَوْمًا مَا"، وساق أيضاً عن سعيد بن جبير قال: "كنت أكتب عند ابن عباس في صحيفتي حتى أملأها..".

للكلام بقية حول "شبهة: تأَخُّر تدوين أحاديث السنة" نستأنفه في اللقاء القادم بعد أيام العيد بمشيئة الله.

وفق الله الجميع لطاعته وألهمهم رشدهم.

حرر بتاريخ 3 ذي الحجة لعام 1446هـ




اقرأ أيضا



للتواصل معنا

فايس واتساب تويتر تلغرام