كيف تحاور من ينكر أحاديث السنة الصحيحة (9)
بقلم الدكتور صادق بن محمد البيضاني
شبهة(2 - د): تأَخُّر تدوين أحاديث السنة
تدوين أحاديث السنة في مؤلفات مستقلة في جيل أتباع التابعين نهاية المائة الأولى وبداية المائة الثانية.
تقدم معنا أن تدوين السنة في الزمن النبوي وزمن الصحابة وكبار التابعين كان في صحف ونسخ متداولة وقد اخذ الصحابة الحديث عن النبي عليه الصلاة والسلام، وعنهم كتب كبار التابعين، وعنهم كتب أتباع التابعين في مصنفات مستقلة، وأول من الف كتبا في الحديث ودونها هو شيخ الحرم، محدث مكة الإمام المحدث ابن جريج: عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج المولود سنة80 هـ والمتوفى سنة 150هـ وهو من أتباع التابعين وله كتاب السنن، قال الإمام أحمد بن حنبل كما في تذكرة الحفاظ للذهبي (1/128): "كان من أوعية العلم. وهو وابن أبي عروبة أول من صنف الكتب" اهـ
حيث كان سند ابن جريج ثنائيًا لقربه من عهد الصحابة يقول فيه حدثنا فلان التابعي عن فلان الصحابي عن رسول الله، وتارة ثلاثيا يروي عن تابعي عن مثله عن الصحابي، وهناك في عصر ابن جريج من أتباع التابعين من ألف كتبا بسند ثنائي وتارة ثلاثي، وهم ثلة من المصنفين الأوائل كسعيد بن أبي عروبة ومالك ومعمر كما سيأتي مفصلاً.
وقد عرف التصنيف قبلهما في دفاتر - وهي ما تجمع مجموعة من الصحف – حيث شاعت الكتابة في عصر التابعين وأتباعهم، قال ابن سعد كما في الطبقات(7/ ٣١١) :[إن التابعي] عبد العزيز بن مروان بن الحكم [المولود سنة 26هـ والمتوفى سنة 86هـ، وهو والي مصر آنذاك] كتب إلى كثير بن مرة الحضرمي [20هـ-90هـ]. وكان قد أدرك بحمص سبعين بدريًا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ليث: وكان يسمي الجند المقدم، قال: فكتب إليه أن يكتب إليه بما سمع من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم- من أحاديثهم إلا حديث أبي هريرة فإنه عندنا"، ولما تولى ابنه عمر بن عبد العزيز الخلافة عام 99 هجرية وهو من أتباع التابعين: " كتب [على رأس المائة الأولى] إلى أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم[36هـ-120هـ] أن انظر ما كان من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم أو سنة ماضية أو حديث عمرة بنت عبد الرحمن فاكتبه فإني قد خفت دروس العلم وذهاب اهله" كذا في الطبقات لابن سعد (2/ 295)، وذكر ابن حجر في الفتح(1/195) عن أبي نعيم قال: "كتب عمر بن عبد العزيز إلى الآفاقِ، انظروا حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فاجمعوه"، فجمع محمد بن شهاب الزهري[50هـ-123هـ، وهو من أتباع التابعين] حديث المدينة وقدمه إلى الخليفة عمر بن عبد العزيز الذي بعث إلى كل أرض دفترًا من دفاتره، وفي هذا العصر نشط التدوين للحديث النبوي في كتب مستقلة، وقد أخرج البخاري في صحيحه عن عبد الله بن دينار قال: "كتب عمر بن عبد العزيز إلى أبي بكر بن حزم: انظر ما كان من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فاكتبه، فإني خفت دروس العلم وذهاب العلماء، ولا تقبل إلا حديث النبي صلى الله عليه وسلم، ولتفشوا العلم، ولتجلسوا حتى يعلم من لا يعلم، فإن العلم لا يهلك حتى يكون سراً"، وأخرج ابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله (1/٧٦) بسنده: عن ابن شهاب الزهري قال: "أمرنا عمر بن عبد العزيز بجمع السنن فكتبناها دفترًا دفترًا، فبعث إلى كل أرضٍ له عليها سلطان دفترًا"، وأخرج الدارمي في سننه بسنده: "أن عمر بن عبد العزيز كتب إلى أهل المدينة: "انظروا حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فاكتبوه".
ويتبين مما سبق أن تدوين الحديث كان مشهورًا في أوساط القرن الأول الهجري بأمر من والي مصر عبد العزيز بن مروان بن الحكم حيث كلف بهذه المهمة كثير بن مرة الحضرمي[20هـ-90هـ]، وكان قد أدرك بحمص سبعين بدريًا من أصحاب رسول الله، ولما تولى ابنه عمر بن عبد العزيز الخلافة عام 99هـ كلف أبا بكر بن حزم وابن شهاب الزهري وغيرهما على نهاية القرن الأول الهجري بجمع الحديث النبوي وقد تم جمعه في دفاتر انتشرت في البلدان الاسلامية كما تقدم، وفي هذه الحقبة الزمنية ظهرت المصنفات الحديثية في كتب مستقلة تنسخ وتباع لدى الوراقين، ثم تسابق المحدثون في بداية القرن الهجري الثاني إلى تدوين كل ما وقفوا عليه من الأحاديث والآثار دون أن يفردوا الأحاديث على حده، بل جمعوا الحديث ومعه أقوال وأفعال الصحابة والتابعين، فظهر في هذا القرن أئمة الحديث الكبار من طبقة أتباع التابعين وصنفوا كتبًا في الحديث والآثار، ومن هؤلاء المحدثين الكبار: في مكة الإمام المحدث عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج البصري [80هـ-150هـ]، وكتابه يُعد بعد كتاب أبي بكر بن حزم والزهري أول مصنف في علم الحديث واسمه "السنن"، ثم تلا ابن جريج: ربيع بن صبيح السعدي البصري [60هـ-140هـ] وسعيد بن أبي عروبة [100هـ-156هـ] وعبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي بالشام [88هـ-157هـ]، وسفيان الثوري [97هـ-161هـ] ومحمد بن فضيل بن غزوان بالكوفة [110هـ-193هـ]، وحماد بن سلمة [110هـ-167هـ] وروح بن عبادة بالبصرة [110هـ-188هـ]، ومالك بن أنس[93هـ-179هـ] وسفيان بن عيينة بالمدينة [107هـ-198هـ]، وعبد الله بن المبارك بخراسان [118هـ-181هـ]، وعبد الله بن وهب[125هـ-197هـ] بمصر، ومعمر بن راشد[95هـ-153هـ] وعبد الرزاق بن همام الصنعاني[126هـ-211هـ] باليمن، وهشيم بن بشير[104هـ-183هـ] بواسط، وغيرهم كثيرون، وكل هؤلاء المذكورين من أتباع التابعين، وكل أسانيدهم إلى رسول الله ثنائية لقربهم من عهد الصحابة يقول فيه المحدث منهم: حدثنا فلان التابعي عن فلان الصحابي عن رسول الله، ونحوها من ألفاظ التحديث، وتارة ثلاثية يروي عن تابعي عن مثله عن الصحابي.
وبهذا المقال يتبين لنا أن التصنيف في كتب حديثية مستقلة بدأ في عصر أتباع التابعين في العهد الأموي وكذلك في بدايات العهد العباسي ثم استمر في عهد الدولة العباسية، حتى ظهر الإمام المحدث محمد بن اسماعيل البخاري [194هـ-256هـ] ولا يُعد البخاري من جيل أتباع التابعين، وقد حاول المستشرقون أن يطعنوا في البخاري بحجة أنه روى عن النبي ولم يره، وهذه من أغاليطهم، فإن البخاري لم يظهر إلا بعد زمن التدوين، وكتابه "الصحيح" أخذه بالرواية والكتابة عن المصنفين والرواة قبله - أمثال مشايخه: المحدث علي بن المديني صاحب كتاب العلل، واسحاق بن راهويه، وله كتاب المسند، وعبد الله الحميدي صاحب كتاب المسند في الحديث، وغيرهم، وكثير منهم من المؤلفين الكبار في الحديث ومن غيرهم من الثقات - عن أتباع التابعين أمثال المصنفين السابقين عن التابعين الكبار عن الصحابة عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهو أشد المحدثين في شرط قبول الحديث في صحيحه حيث اشترط البخاري أن يكون الراوي الثقة قد عاصر شيخه وثبت سماعه منه، وهو أول من صنف في الصحيح المجرد.
وفق الله الجميع لطاعته وألهمهم رشدهم.
حرر بتاريخ 12 ذي الحجة لعام1446هـ