كيف تحاور من ينكر أحاديث السنة الصحيحة (11)
بقلم الدكتور: صادق بن محمد البيضاني
شبهة(3): أن القرآن فيه كل أحكام الشرع بدليل الآيات التي تؤكد كمال القرآن وكفايته كقوله تعالى: "ما فرطنا في الكتاب من شيء"، وقوله: "ونزلنا عليك الكتاب تبياناً لكل شيء"، وقوله: "وكل شيء فصلناه تفصيلاً"، وقوله: "كتاب أُحكمت آياته ثم فُصلت من لدن حكيم خبير"، وقوله: "أفغير الله أبتغي حكماً وهو الذي أنزل إليكم الكتاب مفصلاً".
والجواب على هذه الشبهة واستدلالهم بتلكم الأدلة من جهتين:
الجهة الأولى: لو سلمنا لكم جدلاً بصحة ما تقولون فاعطونا من القرآن تفصيلاً: لكيفية الصلوات الخمس وعدد ركعاتها، وما نقرأه في كل ركعة، وأي الصلوات سرًا منها وأيها جهرًا، وماذا يقال في الركوع والسجود؟، وما هي أوقاتها؟، وشروطها وأركانها وواجباتها ومستحباتها؟، وماذا يحرم فيها وماذا يكره فيها؟، وأيضاً ما هي أحكام الزكاة؟ والصيام؟ والحج؟ وبقية الشرائع؟، ولا شك أنهم لن يجدوا جوابًا لكونهم يهرفون بما لا يعرفون، وبعضهم مجرد بَبّغاء يردد ما يسمع، وبعضهم من لا يؤمن بالسنة، وبعضهم يؤمن ببعض ويكفر ببعض، وبعضهم دسيسة، وبعضهم صاحب بدعة.
الجهة الثانية: بيان تفسير هذه الآيات، فقوله تعالى: "وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُم، مَّا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ، ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ" الكتاب هنا بمعنى اللوح المحفوظ وليس القرآن المشتمل على أحكام الشرع، بدليل سياق الآية من أولها حيث أن سياقها عن مخلوقات الله من دواب وطير، وأن لها نظاما كما لكم نظام أيها البشر، وأن كل المخلوقات أمم مثلما البشر أمم، ثم أردف بعد ذكر المخلوقات قوله: "ما فرطنا في الكتاب من شيء" ليدل ذلك أن سياق الآية يتعلق بالمخلوقات لا أحكام الشرع وأن هذه المخلوقات أمم مثل البشر، وأن ذلك مسطر في اللوح المحفوظ، وأنه سبحانه لم يهمل ولم يترك ولم يقصر في أي شأن منها، فهو يتكلم عن المخلوقات مما يدب على الأرض ويطير في السماء، فلا علاقة للآية بأحكام الشرع.
ولو سلمنا أن الكتاب في هذه الآية بمعنى القرآن الكريم فإننا نطالبهم بما ذكرناه في جواب الجهة الأولى كما سبق.
وقوله تعالى: "وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ" يفسر هذه الآية ما جاء في آية٤٤ من سورة النحل وهو قوله تعالى: "وَما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ، وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ" بمعنى: وما أنزلنا عليك -أيها الرسول- هذا القرآن، إلا من أجل أن تبين لمن أرسلت إليهم وجه الصواب فيما اختلفوا فيه من أمور العقائد والعبادات والمعاملات والحلال والحرام وهلم جرا، فـ "تبيانا لكل شيء" إما نصًا في كتاب الله أو دلالة أو اجمالا، أو جاء ذلك مبينًا ومفصلاً على لسان رسوله عليه الصلاة والسلام، ولو سلمنا لهم: أن الكتاب وهو هنا بمعنى القرآن الكريم قد فصل أحكام الشرع تفصيلاً فإننا نقول لهم: اعطونا من القرآن تفصيلاً: لكيفية الصلوات الخمس ونحوها مما ذكرناه في جواب الجهة الأولى كما سبق.
وقوله تعالى: "وكل شيء فصلناه تفصيلاً"، هذه الآية ليست في سياق بيان الأحكام الشرعية، بل في سياق العلامات الكونية التي جعلها الله للناس بدليل أولها حيث قال الله تعالى: "وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ، فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِّن رَّبِّكُمْ، وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ، وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا"، فيكون تفسيرها أن الله فصل آيات الكون تفصيلًا ومن ذلك آية الليل والنهار، وجعل لكل شيء في الكون نظامًا دقيقًا.
ولو سلمنا لهم: أن القرآن الكريم قد فصل أحكام الشرع تفصيلاً فإننا أيضاً نقول لهم: اعطونا من القرآن تفصيلاً: لكيفية الصلوات الخمس ونحوها مما ذكرناه في جواب الجهة الأولى كما سبق.
وقوله تعالى: "كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ، ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ"، هذه الآية في سياق خصائص القرآن، ومن خصائصه أن آياته كلها حكيمة، لا خلل فيها ولا باطل، ولا نقص، ثم فُصّلت تفصيلًا، فبيّن فيها الحلال والحرام، والفرائض والحدود ونحوها من الشرائع إما نصًا في كتاب الله أو دلالة أو اجمالاً، أو جاء ذلك مبينًا ومفصلاً على لسان رسوله عليه الصلاة والسلام، فالقرآن والسنة كلاهما وحي من الله، ولذا قال: "مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ" بمعنى حكيم: يضع الأمور في مواضعها، و"خبير": يعلم كل شيء دقيق وظاهر، ويعلم ما يصلح لعباده.
وقوله تعالى: "أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا"، هذه الآية في سياق نفي جواز التحاكم لغير الله المتمثل بالاسلام القائم على كتاب الله وسنة رسوله، وهي تفيد الإنكار والتوبيخ للمشركين، بمعنى قل يا محمد لهؤلاء المشركين أغير الله أطلب حكماً بيني وبينكم في الخصومة؟!، وهو الذي أنزل عليكم هذا الكتاب "القرآن" فيه الحلال والحرام، والفرائض والحدود ونحوها من الشرائع إما نصاً في كتاب الله أو دلالة أو اجمالًا، أو جاء ذلك مبينًا ومفصلًا على لسان رسوله عليه الصلاة والسلام.
ولو سلمنا لهم: أن الكتاب وهو هنا بمعنى القرآن الكريم قد فصل أحكام الشرع تفصيلاً فإننا أيضاً نقول لهم: أعطونا من القرآن تفصيلاً: لكيفية الصلوات الخمس ونحو ما تقدم من التفصيلات لأحكام وفروع الشريعة التي لا توجد إلا في السنة.
قال الإمام مالك رحمه الله كما في الاعتصام للشاطبي(1/56): "لا يُؤخذ العلم من صاحب بدعة، ولا من صاحب رأي يدعو إليه، ولا من رجل لا يُعرف صدقه فيما يُحدث به، وإن قال: القرآن كافينا".
وقال الشاطبي كما في المصدر السابق(1/57): "الاعتماد على ظاهر القرآن فقط دون السنة يُفضي إلى تعطيل الشريعة".
وفق الله الجميع لطاعته وألهمهم رشدهم.
حرر بتاريخ 18 ذي الحجة لعام 1446هـ