كيف تحاور من ينكر أحاديث السنة الصحيحة (3)
بقلم الدكتور صادق بن محمد البيضاني
أدلة حجية السنة النبوية
قبل البدء في موضوع اليوم: "أدلة حجية السنة النبوية"، أقول:
لقد وقفنا على العداوة الشديدة والحرب الضروس على السنة النبوية من أعدائها ومنكريها بمباركة دولية عدوانية تحت مسميات التجديد، مع دعم كبير خارجي من أعداء الله لهذا الطابور الذي اتسم بصفة الجهل أو الارتزاق أو كلتيهما.
وقد وجب على المسلمين في كافة أقطار العالم - وإن اختلف بعضهم مع بعض في مسائل - أن يقفوا وقفة واحدة ضد هذا التيار الرجعي، دفاعاً عن رسولنا الكريم عليه الصلاة والسلام؛ فإن عدو المسلمين اليوم مشترك، ويفرح عندما لا يجد في أمة محمد من لا ينافح ويدافع عنه وعن سنته المطهرة من رجس المنكرين وأهواء الضالين.
فلتكونوا يدًا واحدة في الذب عنه من خلال منشوراتكم، ومحاضراتكم، وخطبكم، وكتبكم ونحوها من الوسائل المختلفة، وليلق كل واحد منا بدلوه على علم وبصيرة مع حكمة ولين وحب، لهداية من ضل من المسلمين.
ساق الإمام ابن عبد البر في كتابه جامع بيان العلم (2/191 وما بعدها) بإسناده: عن عمران بن حصين، "أنه قال لرجل: إنك امرؤ أحمق، أَتَجِدُ في كتاب الله الظهر أربعًا، لا تجهر فيها بالقراءة، ثم عدد عليه الصلاة والزكاة ونحو هذا، ثم قال: أَتَجِدُ هذا في كتاب الله مفسرًا؟ إن كتاب الله أبهم هذا وإن السنة تفسر ذلك".
وبإسناده عن أيوب السختياني: أن رجلًا قال لمطرف بن عبد الله بن الشخير: "لا تحدثونا إلا بما في القرآن"، فقال له مطرف: "إنا والله ما نريد بالقرآن بدلاً، ولكنا نريد من هو أعلم بالقرآن منا"، أي: السنة.
وبإسناده عن الأوزاعي، عن حسان بن عطية، قال: "كان الوحي ينزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم ويخبره جبريل عليه السلام بالسنة التي تفسر ذلك" اهـ.
وأخرج شيخ الإسلام الخطيب في كتابه الكفاية (ص16) بإسناده عن أيوب السختياني أنه قال: "إذا حدث الرجل بالسنة، فقال أحد: دعنا من هذا وحدثنا من القرآن، فاعلم أنه ضال مضل".
وسأذكر لكم في هذا المقال ما تيسر من أدلة حجية السنة النبوية من القرآن، وصحيح السنة:
قال الله تعالى:
"كما أرسلنا فيكم رسولًا منكم يتلو عليكم آياتنا ويزكيكم ويعلمكم الكتاب والحكمة ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون".
في هذه الآية تصريح رباني أن الرسول عليه الصلاة والسلام هو من يفسر ويشرح ويعلم أمته تفسير وأحكام آيات القرآن الحكيم، بدليل قوله:
"ويزكيكم ويعلمكم الكتاب والحكمة ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون".
وقال الله تعالى:
"وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون".
فقوله: "وأنزلنا إليك الذكر" يعني السنة وانها وحي منزل من عند الله، وعلل إنزالها بقوله سبحانه:
"لتبين للناس ما نزل إليهم" أي تشرح وتوضح ما نزل إليهم، يعني القرآن.
ثم قال: "ولعلهم يتفكرون"، فلا يصح فكر أحد من المسلمين حتى يعلم أن السنة موضحة وشارحة للقرآن الكريم بنص هذه الآية.
وقال الله تعالى:
"فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلاً".
هذه الآية نص واضح أن القرآن والسنة مصدران للتشريع الإسلامي، وإلا فما الحاجة لقوله تعالى:
"فردوه إلى الله والرسول"؟
ثم اشترط الله صحة الإيمان بالتحاكم إلى القرآن والسنة فقال:
"إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر"، والتقدير: إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر فردوه إلى الله ورسوله.
وقد أكد هذا الأمر بقوله تعالى:
"فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجًا مما قضيت ويسلموا تسليمًا".
ثم حذر من الوقوع في الفتنة في حال مخالفة أمر الرسول عليه الصلاة والسلام، فقال سبحانه:
"فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم".
وشدد في الأمر، وأنه لا خِيَرة لأحد بأي شيء قضى به النبي عليه الصلاة والسلام، لكونه لا يقضي في القضايا الشرعية إلا بموجب الوحي، فقال سبحانه:
"وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرًا أن يكون لهم الخِيَرة من أمرهم، ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالًا مبينًا".
وفي هذه الآية أيضًا أنه حكم بالضلال الواضح لكل من عصى الله ورسوله، فقال:
"ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالًا مبينًا"، فتأملوا.
وقال الله تعالى:
"من يطع الرسول فقد أطاع الله".
وقال تعالى:
"وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا".
وقال الله تعالى:
"إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله".
فما حكم به عليه الصلاة والسلام فهو من عند الله، لأنه قال سبحانه:
"لتحكم بين الناس بما أراك الله"، حيث كان جبريل يأتي النبي عليه الصلاة والسلام بالوحي في القضاء والأروش والخصومات والأحكام التي يعلمها الناس، فتبًّا لمن ينكر سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام.
وقال الله تعالى:
"وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وأطيعوا الرسول لعلكم ترحمون".
وهذه الآية دليل واضح في أن المسلم لن يستطيع إقامة الصلاة وأحكام الزكاة إلا بطاعة رسوله عليه الصلاة والسلام، بدليل أنه أردف إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة بقوله:
"وأطيعوا الرسول لعلكم ترحمون"، إشارة إلى أن الرسول هو من سيعلمكم أحكام الصلاة والزكاة ونحوها من العبادات المجملة في كتاب الله.
وقال الله تعالى:
"يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ولا تبطلوا أعمالكم".
وبطلان العمل أن تفرق في الاعتقاد والعمل بين ما جاء عن الله وعن رسوله، لكونهما معًا تشريعًا من الله.
وقال الله تعالى: "وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا".
هذه الآية تدل على أن من أنكر السنة، وخالف رسوله ولم يتبعه فقد اتبع سبيلا غير سبيل المؤمنين، وفي ذلك دليل على أن كل ما صح عن رسول الله فهو وحي وحجة على المسلمين بدليل أن الله جعل مخالفة رسوله معصية لأمره يستحق صاحبها دخول جنهم، وساءت مصيراً.
قال الشافعي في كتاب الأم (9 / 5): "لم أسمع أحدا نسبه الناس، أو نسب نفسه إلى علم، يخالف في أن فرض الله عز وجل اتباع أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، والتسليم لحكمه" اهـ.
وقال ابن حزم في كتاب الإحكام في أصول الأحكام (1 / 104): "لم يختلف فيه مسلمان، في أن ما صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قاله، ففرض اتباعه، وأنه تفسير لمراد الله تعالى في القرآن وبيان لمجمله"اهـ
وصح عند أبي داود والترمذي وغيرهما من حديث المقداد بن معدي كرب أن النبي عليه الصلاة والسلام قال:
"ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه، ألا يوشك رجل شبعان على أريكته يقول: عليكم بهذا القرآن، فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه، وما وجدتم فيه من حرام فحرموه، وإن ما حرم رسول الله كما حرم الله".
وثبت عند الترمذي وغيره عن أبي رافع وغيره رفعه - أي إلى النبي عليه الصلاة والسلام - قال:
"لا ألفين أحدكم متكئًا على أريكته يأتيه أمر مما أمرت به أو نهيت عنه فيقول: لا أدري، ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه".
وصح عند أبي داود وغيره عن العرباض بن سارية رضي الله عنه عن النبي عليه الصلاة والسلام قال:
"أيحسب أحدكم متكئًا على أريكته قد يظن أن الله لم يحرم شيئًا إلا ما في هذا القرآن؟ ألا وإني والله، قد وعظت وأمرت ونهيت عن أشياء، إنها لمثل القرآن أو أكثر".
ومعنى "أكثر": من حيث النصوص والأحكام التي لم ترد سوى في السنة، مثل أحكام وكيفيات الصلاة، والزكاة، والصيام، والحج، والبيوع، ونحوها.
وقد حصر ابن القيم في كتابه إعلام الموقعين (2/308) السنة في ثلاثة أوجه، فقال:
"السنة مع القرآن على ثلاثة أوجه:
أحدها: أن توافقه من كل وجه، فيكون من باب توارد الأدلة.
ثانيها: أن تكون بيانًا لما أُريد بالقرآن.
ثالثها: أن تكون دالة على حكم سكت عنه القرآن، وهذا الثالث يكون حكمًا مبتدأً من النبي صلى الله عليه وسلم، فتجب طاعته فيه، ولو كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يُطاع إلا فيما وافق القرآن، لم تكن له طاعة خاصة، وقد قال تعالى: "قل كلٌّ من عند الله". وقد تناقض من قال: إنه لا يُقبل الحكم الزائد على القرآن إلا إن كان متواترًا أو مشهورًا". اهـ مختصرًا.
قال شيخ الإسلام الشوكاني رحمه الله في كتابه إرشاد الفحول إلى تحقيق علم الأصول (ص69):
"والحاصل: إن ثبوت حجية السنة المطهرة، واستقلالها بتشريع الأحكام، ضرورة دينية، ولا يخالف في ذلك إلا من لا حظ له في دين الإسلام". اهـ
وفق الله الجميع لطاعته، وألهمهم رشدهم.
حرر بتاريخ 14 ذي القعدة لعام 1446 هجرية