الجمعة 8 شوال 1447 هـ || الموافق 27 مارس 2026 م


قائمة الأقسام   ||    كيف تحاور من ينكر أحاديث السنة الصحيحة    ||    عدد المشاهدات: 216

كيف تحاور من ينكر أحاديث السنة الصحيحة (7)
بقلم الدكتور صادق بن محمد البيضاني

شبهة (2 - ب) : تأَخُّر تدوين أحاديث السنة


ذكرنا في اللقاء السابق: تناقض منكري السنة الذين ينكرون الروايات، وفي الوقت نفسه يحتجون بها ليثبتوا زعمًا أن السنة لم تكتب في عهد النبوة ولا عهد الصحابة..

وقلنا: إن قضية تأخر تدوين السنة معناه تأخر جمعها في مصنفات ومؤلفات، ولا يعني هذا تأخر كتابة الحديث وروايته في زمن النبوة، فإن تدوينه في زمن النبوة في صحف كان موجوداً معهوداً بتوجيه من النبي عليه الصلاة والسلام لصحابته، وأما قوله صلى الله عليه وسلم: "لا تَكْتُبُوا عَنِّي وَمَنْ كَتَبَ عَنِّي غَيْرَ الْقُرْآنِ فَلْيَمْحُهُ"، فإن هذا النهي كان في أول الأمر من حياة النبي عليه الصلاة حتى لا يختلط كلام النبي صلى الله عليه وسلم بالقرآن، وخشية ركون الصحابة إلى الكتابة وترك الحفظ، فلما أمن الالتباس من اختلاط السنة بالقرآن أذن في عهده بكتابة السنة؛ ففي صحيح البخاري وغيره أن أبا هريرة رضي الله عنه قال: "مَا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحَدٌ أَكْثَرَ حَدِيثًا عَنْهُ مِنِّي، إِلَّا مَا كَانَ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، فَإِنَّهُ كَانَ يَكْتُبُ وَلاَ أَكْتُبُ"، وصح عند أحمد وبعض أهل السنن عن عبدِ اللهِ بنِ عمرٍو رَضِيَ اللهُ عنهما، قال: "كنتُ أكتُبُ كلَّ شيءٍ أسمَعُهُ مِن رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، أُريدُ حِفْظَهُ، فنهَتْني قريشٌ، وقالوا: أتكتُبُ كلَّ شيءٍ تسمَعُهُ ورسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بشَرٌ يتكلَّمُ في الغضبِ والرِّضا؟! فأمسَكْتُ عَنِ الكِتابِ، فذكَرْتُ ذلك لرسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فأَوْمأَ بإِصْبَعِهِ إلى فِيهِ، فقال: اكتُبْ؛ فوالذي نفْسي بيدِهِ، ما يخرُجُ منه إلَّا حقٌّ"، وقد قام رجل من أهل اليمن اسمه: أبو شاه كما ثبت في صحيح البخاري ومسند الإمام أحمد وغيرهما، وقال: يا رسول الله، اكتبوا لي، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "اكتبوا لأبي شاه"، قلت للأوزاعي: ما قوله اكتبوا لي يا رسول الله؟ قال: هذه الخطبة التي سمعها من رسول الله -صلى الله عليه وسلم-"، ونحوها من الأحاديث الأخرى.

تدوين أحاديث السنة في زمن الخلفاء الراشدين الأربعة:

رغم أن عامة الصحابة ومنهم الخلفاء الراشدون اهتموا بتدوين القرآن وجمعه، وكان شغلهم الشاغل إلا أنهم كتبوا الحديث وحثوا الناس على ذلك؛ فقد ثبت عند أحمد وغيره عن أبي قبيل قال: كنا عند عبد الله بن عمرو بن العاص -رضي الله عنه- وسئل: أي المدينتين تفتح أولاً القسطنطينيّة أو رومية؟، فدعا عبد الله بصندوقٍ له حِلَقٌ، فأخرج منه كتاباً، فقال: "بينما نحن حول رسول الله صلى الله عليه وسلم نكتب إذ سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي المدينتين تفتح أولاً، أقسطنطينية أو رومية؟، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مدينة هرقل تفتح أولاً"، يعني: قسطنطينية، وروى البخاري بسنده إلى أبي جحيفة، قال: قلت لعلي: هل عندكم كتاب؟ قال: لا إلا كتاب الله، أو فهم أعطيه رجل مسلم، أو ما في هذه الصحيفة. قلت: وما في هذه الصحيفة؟ قال: العقل، وفكاك الأسير، ولا يقتل مسلم بكافر، وقوله: هل "عندكم كتاب" بمعنى حال السؤال، وإلا فهناك كتب كتبها الصحابة تحتوي على كثير من الأحاديث، ففي مستد الإمام أحمد: "أن أسيد بن حضير الأنصاري رضي الله عنه كتب بعض الأحاديث النبوية في قضاء أبي بكر وعمر وعثمان، وأرسله إلى مروان بن الحكم"، وفي صحيح مسلم: "كتب جابر بن سمرة رضي الله عنه بعض أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعث بها إلى عامر بن سعد بن أبى وقاص بناء على طلبه ذلك منه"، وفي مسند أحمد: "كتب زيد بن أرقم رضي الله عنه بعض الأحاديث النبوية وأرسل بها إلى أنس بن مالك رضي الله عنه"، و" كتب زيد بن ثابت في أمر الجَدِّ إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه بناء على طلب عمر" أخرجه الدارقطني: (٤/٩٣) وعنه البيهقي في "الكبرى": (٦/٢٤٧) وغيرهما، وأصله صحيح عند الدارمي وغيره، وقد ذكر غير واحد من الحفاظ كما في سنن أبي داود: "أن سمرة بن جندب جمع ما عنده من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعث به إلى ابنه سليمان، وقد أثنى الإمام محمد بن سيرين على هذه الرسالة فقال: "في رسالة سمرة إلى ابنه علمٌ"، وثبت أن عبد الله بن أبي أوفى كتب بأحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عمر بن عبيد الله حيث حث تلاميذهم على كتابة الحديث وتقييده.

موقف أبي بكر الصديق من كتابة السنة:

لا يصح عنه بسند صحيح ما يدل أنه كان ينهى عن ذلك أو أنه أحرق خمسمائة حديث فقد جاء في مراسيل ابن أبي مليكة لكنه لا يصح: "أن الصديق جمع الناس بعد وفاة نبيهم؟ فقال: "إنكم تحدثون عن رسول الله أحاديث تختلفون فيها والناس بعدكم أشد اختلافا؛ فلا تحدثوا عن رسول الله شيئا، فمن سألكم فقولوا بيننا وبينكم كتاب الله؛ فاستحلوا حلاله وحرموا حرامه"، وقد تعجبت للذهبي رغم جلالة قدره في علم الحديث والرجال والعلل يسوق هذا الأثر في تذكرة الحفاظ دون أن يبين ضعفه وخصوصاً أن ابن أبي مليكة أرسله، ولم يولد إلا في خلافة علي بن أبي طالب، ومما لا يصح اسناده أيضاً: ما أورده المحبّ الطبري في الرياض النضرة (1/200 وما بعدها) عن عائشة مرسلاً: قالت جمع أبي الحديث عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فكان خمسمائة حديث، فبات ليلته يتقلّب، قالت: فغمّني، فقلت: لأيّ شيء تتقلّب لشكوى أو لشيء بلغك؟ فلمّا أصبح قال: أي بُنيّة هلمّي الأحاديث التي هي عندك، قالت: فجئته بها، فدعا بنار فأحرقها، فقلت: ما لك يا أبت تحرقها؟ قال: ما بتّ الليلة خشيت أن أموت وهي عندي، فيكون فيها أحاديث عن رجل ائتمنته ووثقت له ولم يكن كما حدّثني، فأكون قد تقلّدت ذلك"، وقال: غريب، قال ابن كثير في مسند أبي بكر (ص597) : وقد رواهُ القاضي أبو أُمَيَّة الأَحْوَص بن المُفضل بن غسّان الغلَابيّ عن أبيه عن عليّ بن صالح، عن مُوسى بن عبد الله بن الحسَن بن الحسَن بن عليّ بن أبي طالب، عن إبراهيم بن عمرو عن عُبيد الله التَّيْمي، حدثني القاسِم بن محمد، أو ابنه عبد الرَّحْمن بن القاسم -شَكَّ موسى فيهما- قال: قالت عائشة". فذكره بزيادة، وقال: هذا غريب من هذا الوجه جدّاً، وعلي بن صالح لا يعرف، وقال الذهبي في تذكرة الحفّاظ (1/5) عن هذا الأثر: لا يصحّ.

قلت: ولا يصح إسناد شيء من ذلك عن أبي بكر، وأما من أول ما روي عن أبي بكر الصديق فإنما ذلك من باب إن صح ذلك عنه فإنما هو تورعًا؛ وهو خلاف ما عرف به أبو بكر من كتابة الحديث ففي صحيح البخاري وغيره: "أَنَّ أَبَا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كَتَبَ لَأنس هَذَا الكِتَابَ، لَمَّا وَجَّهَهُ إِلَى البَحْرَيْنِ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، هَذِهِ فَرِيضَةُ الصَّدَقَةِ الَّتِي فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى المُسْلِمِينَ، وَالَّتِي أَمَرَ اللَّهُ بِهَا رَسُولَهُ.."، ثم ذكرها مفصلة، وقد سبق معنا: أن أسيد بن حضير الأنصاري رضي الله عنه كتب بعض الأحاديث النبوية في قضاء أبي بكر وعمر وعثمان، وأرسله إلى مروان بن الحكم.

وقد كان أبو بكر من المحدثين ومن رواة الحديث النبوي، وله مجلس شورى أيام خلافته وكان أعضاؤه من أعلم الصحابة بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم.

موقف عمر بن الخطاب من كتابة السنة:

كان أمير المؤمنين عمر بن الخطاب يكتب أحاديث السنة في زمانه ويرسل منها إلى البلدان لعماله ومن ذلك: ما أخرجه مسلم في صحيحه: أن عمر كتب إلى عتبة بن فرقد وهو بأذربيجان وفيه: "وإياكم والتنعم وزي أهل الشرك، ولبوس الحرير، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن لبوس الحرير إلا هكذا.." وقد تقدم " أن أسيد بن حضير الأنصاري رضي الله عنه كتب بعض الأحاديث النبوية في قضاء عمر، ولا يصح أنه كان ينهى عن كتابة الأحاديث لكنه كان يحث الصحابة على التقليل منها خشية أن يغفلوا عن كتاب الله، فقد أخرج الدارمي في سننه بإسناد صحيح: أَنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، شَيَّعَ الْأَنْصَارَ حِينَ خَرَجُوا مِنَ الْمَدِينَةِ فَقَالَ: "أَتَدْرُونَ لِمَ شَيَّعْتُكُمْ قُلْنَا: لِحَقِّ الْأَنْصَارِ. قَالَ: إِنَّكُمْ تَأْتُونَ قَوْمًا تَهْتَزُّ أَلْسِنَتُهُمْ بِالْقُرْآنِ اهْتِزَازَ النَّخْلِ، فَلَا تَصُدُّوهُمْ بِالْحَدِيثِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَا شَرِيكُكُمْ، قَالَ: فَمَا حَدَّثْتُ بِشَيْءٍ وَقَدْ سَمِعْتُ كَمَا سَمِعَ أَصْحَابِي"، ولا يصح ما أخرجه عبد الرزاق في جامع معمر (١١/٢٥٧) عن عروة بن الزبير: إن عمر بن الخطاب أراد أن يكتب السنن، فاستفتى أصحاب الني صلى الله عليه وسلم في ذلك، فأشاروا عليه بأن يكتبها، فطفق عمر يستخير الله فيها شهرا، ثم أصبح يوما وقد عزم الله له، فقال: إني كنت أريد أن أكتب السنن وإني ذكرت قوما كانوا قبلكم كتبوا كتبا فانكبوا عليها وتركوا كتاب الله، وإني والله لا أشوب كتاب الله بشيء أبداً"، قلت: عروة بن الزبير لم يسمع من عمر رضي الله عنهم كما في التحصيل للعلائي، وقد رواه غير واحد ولا يصح ذلك عن عمر، أما حديث ابن عباس في صحيح البخاري قَالَ : "لَمَّا حُضِرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : وَفِي الْبَيْتِ رِجَالٌ فِيهِمْ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ قَالَ : هَلُمَّ أَكْتُبْ لَكُمْ كِتَابًا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ قَالَ عُمَرُ : إِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَلَبَهُ الْوَجَعُ وَعِنْدَكُمْ الْقُرْآنُ فَحَسْبُنَا كِتَابُ اللَّهِ"، فليس فيه اعتراض على النبي عليه الصلاة والسلام في الكتابة ولا هو دليل لمن يقول إن عمر لم يكن يدعو إلى الاحتجاج بالسنة، وإنما قصد حسبنا كتاب الله إن توفي رسول الله مع ما جاء في سنته، فقد كان من أحرص الصحابة على السنة كما تقدم في الأمثلة السابقة، ومن حرصه أيضاً أنه: كان يسأل الصحابة عن أحاديث الأحكام كلما طرأ له أمر لا علم له به في السنة، فقد أخرج البخاري وغيره عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا استأذَنَ أحدُكمْ ثلاثًًا فلمْ يُؤذَنْ لهُ، فلْيرجِعْ"، وعن ‌أبي سعيد الخُدْرِيِّ قال كنت في حلْقة من حِلَق الأنصار، فجاءنا أبو موسي كأنه مذعور، فقال: إن عمر أمرني أن آتيه، فاستأذنت ثلاثًا فلم يُؤذن لي، فرجعت وقد قال ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا استأذَنَ أحدُكمْ ثلاثًًا فلمْ يُؤذَنْ لهُ فلْيرجِعْ"، فقال: لَتجِيئَن بِبَيِّنَةٍ على الذي تقول وإلا أوجعتك، فقال: أسْتَشْهِدُكم، فقال أُبيَّ بن كعب: والله لا يقوم معك إلا أصغر القوم، فكنتُ أصغر القوم، فقمتُ معه فأخبرت عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ذلك، وقد "كتب زيد بن ثابت في أمر الجَدِّ إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه بناء على طلب عمر بن الخطاب" أخرجه الدارقطني: (٤/٩٣) وعنه البيهقي في "الكبرى": (٦/٢٤٧) وغيرهما، وأصله صحيح عند الدارمي وغيره.

ومن الأكاذيب المفتراه على عمر أنه كان يمنع أبا هريرة وأبا موسى الأشعري من التحديث بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا افتراء محض فقد كان أبو هريرة وأبو موسى يحدثان ويعقدان مجالس التحديث في زمن عمر رضي الله عنه.

وقد كان عمر من المحدثين ومن رواة الحديث النبوي كما لا يخفى على صغار الطلاب وعوام الناس، وقد عمل مجلس الشورى أيام خلافته وجعل أعضاءه من أعلم الصحابة بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان في بعض المواقف إذا سمع حديثا من بعض الصحابة يطلب من يشهد عليه أنه قاله رسول الله حيطة لدينه رضي الله عنه.

موقف عثمان بن عفان من كتابة السنة:

أكبر عمل قام به عثمان في إمارته: هو جمع الناس على مصحف واحد وقد تقدم الكلام عليه في المقال الخامس من هذه السلسلة، وفي عهده كان منتشراً بين الصحابة كتابة الحديث، فـقد أخرج الإمام أحمد وغيره: "إن أسيد بن حضير الأنصاري رضي الله عنه كتب بعض الأحاديث النبوية في قضاء أبي بكر وعمر وعثمان".

وقد كان عثمان من المحدثين ومن رواة الحديث النبوي، وله مجلس شورى أيام خلافته بمثل ما كان للشيخين قبله، وكان أعضاؤه من أعلم الصحابة بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم.

موقف علي بن أبي طالب من كتابة السنة:

وأما علي بن أبي طالب فقد كان يكتب الحديث النبوي، ومما يؤكد ذلك: ما أخرجه البخاري في صحيحه من قصة الصحيفة التي سبق ذكرها، وقد طبعت هذه الصحيفة بدار السلام بالقاهرة تحت عنوان: "صحيفة علي بن أبي طالب عن رسول الله"، اعتنى بها الدكتور رفعت فوزي عبد المطلب، وجاء عن علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- أنه قال: "مَنْ يَشْتَرِي مِنِّي عِلْمًا بِدِرْهَمٍ؟" قَالَ أَبُو خَيْثَمَةَ يَقُولُ: يَشْتَرِي صَحِيفَةً بِدِرْهَمٍ، يَكْتُبُ فِيهَا الْعِلْمَ" أخرجه أبو خيثمة بإسناد صحيح.

وقد كان علي بن أبي طالب من المحدثين ومن رواة الحديث النبوي، وله مجلس شورى أيام خلافته وكان اعضاؤه من اعلم الصحابة بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم.

موقف الصحابة عموماً من كتابة السنة:

لا يصح عن أحد من الصحابة الاعتراض على كتابة أحاديث السنة، وقد سبق أن ذكرنا أمثلة عنهم صح إسنادها إليهم أنهم كانوا يكتبون السنة على عهد النبي عليه الصلاة والسلام، وقد جاءت كتابة السنة عن أبي بكر وعمر وعلي وعائشة وأبي هريرة ومعاوية بن أبي سفيان وعبد الله بن عباس وابن مسعود وعبد الله بن عمر وعبد الله بن عمرو بن العاص والبراء بن عازب وأنس بن مالك والحسن بن علي وعبد الله بن أبي أوفى وغيرهم كثير، وقد عرفت مجموعة صحف لكثير من الصحابة منها: صحيفة سعد بن عبادة الأنصاري، وصحيفة عبد الله بن أبي أوفى، ونسخة سمرة بن جندب، وكتاب أبي رافع مولى النبي صلى الله عليه، وكُتب أبي هريرة رغم قوة حفظه، وصحيفة أبي موسى الأشعري، وصحيفة جابر بن عبد الله الأنصاري، وصحيفة الصادقة لعبد الله بن عمرو بن العاص، وقد رواها التابعون ومن بعدهم، وتم الاهتمام بها زمن تدوين الكتب لأحاديث النبي عليه الصلاة والسلام بالأسانيد المتصلة، وأيضاً صحيفة أبي سلمة نبيط بن شريط الأشجعي رضي الله عنه، والصحيفة الصحيحة لهمام بن منبه، وقد دونها ورواها عن أبي هريرة، وقد تم طباعتها عدة طبعات.

وأما ما أخرجه عبد الرزاق في جامع معمر (١١/٢٨٥) عن معمر عن ابن طاوس عن أبيه عن ابن عباس قال: "لا نكْتُب العلم ولا نُكْتِبُه" فهو صحيح، ومثله أثر : "أنهم لما ذكروا له أن هناك من يكتب عنه فقام من مجلسه إنكاراً عليه"، وهذا يفسر بانكباب الطلاب عليه لنقل آثاره وآثار أهل الكتاب التي كان يذكرها في مجالسه، ومثله ما جاء عن ابن مسعود، ومما يؤكد ذلك: أن ابن عباس ممن صح عنه كتابة الحديث كما تقدم، وهكذا مرويات من كان ينهى عن الكتابة تحمل على نحو هذا المحمل لصحة ثبوت الكتابة عنهم. وأخرج الخطيب في تقييد العلم (ص40) عن أبي بردة عن أبيه والأثر صحيح: "أن أبا موسى الأشعري محى كتاباً خطه عنه ابنه أبو بردة بن أبي موسى رضي الله عنهما"، وقد فعل ذلك من باب تعليم ولده لا النهي عن الكتابة وخشية أن يتكل ابنه على الكتاب ويهمل الحفظ بدليل أنه: أمره بقوله: احفظ كما حفظنا"، وقد تقدم أن لأبي موسى صحيفة في الحديث النبوي.

قال الخطيب في تقييد العلم (ص58): "وكان غير واحد من السلف يستعين على حفظ الحديث بأن يكتبه، ويدرسه من كتابه، فإذا أتقنه محا الكتاب، خوفاً من أن يتَّكل القلب عليه فيؤدي إلى نقصان الحفظ وترك العناية بالمحفوظ"اهـ.

وأخرج أيضا رحمه الله في تقييد العلم (ص60) بإسناد لا بأس به: "عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْر رضي الله عنهِ، قَالَ: كَتَبْتُ الْحَدِيثَ ثُمَّ مَحَوْتُهُ فَوَدِدْتُ أَنِّي فَدَيْتُهُ بِمَالِي وَوَلَدِي وَأَنِّي لَمْ أَمْحُهْ".

ولم يكن صنيع الصحابة كلهم محو ما يكتبونه من الأحاديث وإنما جاء المحو عن بعضهم بدليل أن عامتها مروي في كتب الحديث، ومنها ما تم طباعته.

وأخرج مسلم في صحيحه في حديث طويل وفيه قال أنس: "قدمت المدينة، فلقيت عتبان، فقلت: حديث بلغني عنك. يعني أريد أن أسمعه منك، .. وفي آخره :قال أنس رضي الله عنه: "فأعجبني هذا الحديث، فقلت لابني: اكتبه فكتبه".

ولكثرة الآثار الصحيحة عن الصحابة والتابعين في كتابة الحديث، سأخصص بإذن الله كتاباً مستقلاً بعنوان: "جامع الأحاديث والأثار في كتابة وتدوين السنة".

للكلام بقية حول "شبهة: تأَخُّر تدوين أحاديث السنة" نستأنفه في اللقاء القادم بمشيئة الله.

وفق الله الجميع لطاعته وألهمهم رشدهم.

حرر بتاريخ 29 ذي القعدة لعام 1446هـ




اقرأ أيضا



للتواصل معنا

فايس واتساب تويتر تلغرام