الجمعة 8 شوال 1447 هـ || الموافق 27 مارس 2026 م


قائمة الأقسام   ||    كيف تحاور من ينكر أحاديث السنة الصحيحة    ||    عدد المشاهدات: 196

كيف تحاور من ينكر أحاديث السنة الصحيحة (6)
بقلم الدكتور صادق بن محمد البيضاني

شبهة (2 - أ): تأَخُّر تدوين أحاديث السنة


يقول منكرو أحاديث السنة لو كانت السنة حجة لكتبت ودونت في العهد النبوي.

والجواب: أولاً: لي وقفة معهم وهي قولهم: إن السنة دونت بعد وفاة النبي عليه الصلاة والسلام؟ أقول لهم: كيف عرفتم ذلك؟ قالوا بأحاديث وآثار مروية تنهى عن كتابة الحديث في العهد النبوي، وقالوا: التدوين ما ظهر إلا بعد وفاة النبي عليه الصلاة والسلام.

قلنا لهم: إذن أنتم متناقضون تستدلون بأحاديث وآثار مروية في الوقت الذي تنكرون فيه المرويات، وأيضا أن مستند معرفتكم بتأخر التدوين في مصنفات مستقلة لم يكن إلا عن طريق الرواية، وهذا يدل على أنكم أصحاب هوى وجهل وتقلدون في هذه الشبهة: المستشرقين والعقلانيين والقرآنيين، والفلاسفة والحداثيين ومن نحا نحوهم متجاهلين أن قولهم هذا يؤكد تناقضهم، فكيف تنكرون الاحتجاج بالروايات وأنتم تحتجون بها لصالح ما تزعمونه؟!!!

ثانياً: أن قضية تأخر تدوين السنة معناه تأخر جمعها في مصنفات ومؤلفات مستقلة يجمع فيها صاحب الكتاب ما وقف عليه من الروايات من خلال مشايخه، أو ما صح منها من الحديث الصحيح المجرد، ولا يعني هذا تأخر كتابة الحديث وروايته عن زمن النبوة، فإن تدوينه في زمن النبوة في صحف كان موجوداً معهوداً بإذن من النبي عليه الصلاة والسلام لصحابته، لا ينكر ذلك إلا جاهل لا علم له، فقد ثبت في الحديث الصحيح عند البخاري وغيره أن أبا هريرة رضي الله عنه قال: "مَا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحَدٌ أَكْثَرَ حَدِيثًا عَنْهُ مِنِّي، إِلَّا مَا كَانَ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، فَإِنَّهُ كَانَ يَكْتُبُ وَلاَ أَكْتُبُ"، وهذا لا يتعارض مع قوله صلى الله عليه وسلم كما في الحديث الصحيح عند مسلم وأحمد وغيرهما: "لا تَكْتُبُوا عَنِّي، وَمَنْ كَتَبَ عَنِّي غَيْرَ الْقُرْآنِ فَلْيَمْحُهُ"؛ فإن هذا النهي كان في أول الأمر من حياة النبي عليه الصلاة والسلام حتى لا يختلط كلام النبي صلى الله عليه وسلم بالقرآن، وخشية ركون الصحابة إلى الكتابة وترك الحفظ.

قال الخطيب البغدادي في كتابه تقييد العلم (ص57وما بعدها): "فقد ثبت أن كراهة من كره الكتاب من الصدر الأول: إنما هي لئلا يضاهى بكتاب الله تعالى غيره، أو يشتغل عن القرآن بسواه... وأمر الناس بحفظ السنن إذ الإسناد قريب، والعهد غير بعيد، ونهي عن الاتكال على الكتاب، لأن ذلك يؤدي إلى اضطراب الحفظ حتى يكاد يبطل، وإذا عدم الكتاب، قوي لذلك الحفظ الذي يصحب الإنسان في كل مكان"اهـ.

فلما ازداد الحفاظ لكتاب الله في العهد النبوي أمثال عثمان وعليّ وأبيّ بن كعب وزيد بن ثابت وعبد الله بن مسعود، وغيرهم كثير، ولم يكن ثمة خشية من الالتباس بغيره من القرآن أذن النبي عليه الصلاة والسلام بكتابة الحديث في عهده لحديث أبي هريرة السابق، وصح أيضاً عند الإمام أحمد وبعض أهل السنن عن عبدِ اللهِ بنِ عمرٍو رَضِيَ اللهُ عنهما، قال: "كنتُ أكتُبُ كلَّ شيءٍ أسمَعُهُ مِن رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، أُريدُ حِفْظَهُ، فنهَتْني قريشٌ، وقالوا: أتكتُبُ كلَّ شيءٍ تسمَعُهُ ورسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بشَرٌ يتكلَّمُ في الغضبِ والرِّضا؟! فأمسَكْتُ عَنِ الكِتابِ، فذكَرْتُ ذلك لرسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فأَوْمأَ بإِصْبَعِهِ إلى فِيهِ، فقال: اكتُبْ؛ فوالذي نفْسي بيدِهِ، ما يخرُجُ منه إلَّا حقٌّ"، وقد قام رجل من أهل اليمن اسمه: أبو شاة كما ثبت في صحيح البخاري ومسند الإمام أحمد وغيرهما، وقال: يا رسول الله، اكتبوا لي، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "اكتبوا لأبي شاة"، قلت للأوزاعي: ما قوله اكتبوا لي يا رسول الله؟ قال: هذه الخطبة التي سمعها من رسول الله -صلى الله عليه وسلم-"، وفي الصحيحين: "لَمَّا حُضِرَ النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قالَ، وفي البَيْتِ رِجَالٌ فيهم عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ، قالَ: هَلُمَّ أكْتُبْ لَكُمْ كِتَابًا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ" وفيه دليل على جواز كتابة السنة، وقد كان النبي عليه الصلاة والسلام سيكتبه لولا لغط بعض الصحابة في مجلسه، فقد كانَ ابنُ عَبَّاسٍ يقولُ: إنَّ الرَّزِيَّةَ كُلَّ الرَّزِيَّةِ ما حَالَ بيْنَ رَسولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وبيْنَ أنْ يَكْتُبَ لهمْ ذلكَ الكِتَابَ مِنَ اخْتِلَافِهِمْ ولَغَطِهِمْ".

وثبت عند أحمد وغيره عن أبي قبيل قال: كنا عند عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه وسئل: أي المدينتين تفتح أولاً القسطنطينيّة أو رومية؟، فدعا عبد الله بصندوقٍ له حِلَقٌ، فأخرج منه كتاباً، فقال: "بينما نحن حول رسول الله صلى الله عليه وسلم نكتب إذ سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي المدينتين تفتح أولاً، أقسطنطينية أو رومية؟، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مدينة هرقل تفتح أولاً". يعني: قسطنطينية، وروى البخاري بسنده إلى أبي جحيفة، قال: قلت لعلي: هل عندكم كتاب؟ قال: لا إلا كتاب الله، أو فهم أعطيه رجل مسلم، أو ما في هذه الصحيفة. قلت: وما في هذه الصحيفة؟ قال: العقل، وفكاك الأسير، ولا يقتل مسلم بكافر، وقوله: هل "عندكم كتاب" بمعنى حال السؤال، وهناك حديث كتاب عمرو بن حزم الذي كتبه النبي صلى الله عليه وسلم إلى أهل اليمن، وهو كتاب طويل فيه الفرائض والسنن والديات، وقد صح منه الكثير بالشواهد والمتابعات، وفي صحيح البخاري حديث كتاب الصدقة ونصاب الزكاة الذي بعث به أبو بكر رضي الله عنه أنسا حين وجهه إلى البحرين، وأيضا أن النبي عليه الصلاة والسلام كتب كتبا كما ثبت في الصحيحين وغيرهما إلى كسرى وقيصر والنجاشي، وإلى المنذر بن ساوى العبدي صاحب البحرين، وإلى المقوقس عظيم القبط صاحب الإسكندرية، وإلى الحارث بن أبي شَمِر الغسَّاني ملك الشام، وإلى هوذة بن علي الحنفي صاحب اليمامة، وإلى بكر بن وائل، وكتب لوائل بن حجر رضي الله عنه إلى قومه في حضرموت، وفيه الأصول العامة للإسلام، وبعض أحكام الزكاة، وذكر بعض المحرمات، وكتابه صلى الله عليه وسلم إلى بني زهير بن أُقَيش مع صاحبهم النَّمر بن تَوْلَب الشاعر رضي الله عنه، وفيه دعوتهم للإسلام، وأداء الخمس وسهم الصفي، وإلى ملوك وبلدان وقبائل آخرين من عرب وأعاجم يدعوهم فيها إلى الإسلام، وقد ألف العلامة محمد بن طولون الدمشقي في ذلك كتاباً أسماه: " إعلام السائلين عن كتب سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم" بلغت قرابة خمسين كتاباً.

فكل هذه الادلة السابقة وغيرها كثير تؤكد أن كتابة الحديث كانت معهودة موجودة في زمن النبي عليه الصلاة والسلام وإنما النهي كان في أول الأمر خشية التباس أحاديثه بالقرآن فلما زال الإلتباس أذن بكتابة الحديث وتدوينه في عهده كل يكتب ويدون في صحيفته.

قال الدكتور صبحي الصالح في كتاب علوم الحديث ومصطلحه: "ليس علينا إذن أنْ ننتظر عهد الخليفة عمر بن عبد العزيز حتى نسمع للمرة الأولى - كما هو الشائع - بشيء اسمه تدوين الحديث أو محاولة لتدوينه. وليس علينا أنْ ننتظر العصر الحاضر لنعترف بتدوين الحديث في عصر مُبَكِّرٍ جرياً وراء بعض المستشرقين كجولدتسيهر Goldziher وشبرنجر Springer، لأنَّ كتبنا وأخبارنا ووثائقنا التاريخية لا تدع مجالاً للشك في تحقيق تقييد الحديث في عصر النَّبِي نفسه وليس على رأس المائة الثانية للهجرة كما يمنُّ علينا هذان المستشرقان، وهي تنطق - فوق ذلك - بصدق جميع الوقائع والأقوال والسير والتصرفات التي تنطوي عليها الأحاديث الصحاح والحسان في كتب السُنَّة جميعاً لا في بعضها دون بعض"اهـ.

للكلام بقية حول "شبهة: تأَخُّر تدوين أحاديث السنة" نستأنفه في اللقاء القادم بمشيئة الله.

وفق الله الجميع لطاعته وألهمهم رشدهم.

حرر بتاريخ 25 ذي القعدة لعام1446هـ




اقرأ أيضا



للتواصل معنا

فايس واتساب تويتر تلغرام