الجمعة 8 شوال 1447 هـ || الموافق 27 مارس 2026 م


قائمة الأقسام   ||    كيف تحاور من ينكر أحاديث السنة الصحيحة    ||    عدد المشاهدات: 364

كيف تحاور من ينكر السنة الصحيحة (18)
بقلم الدكتور صادق بن محمد البيضاني 

شبهة (10) قول منكري السنة: الله تكفل بحفظ القرآن ولم يتكفل بحفظ السنة


والجواب عليهم: أن من أكثر الشبهات التي يرددها منكرو السنة زاعمين بها إسقاط حجيتها قولهم: إن الله تكفل بحفظ القرآن فقال: (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون)، ولم يقل إنه تكفل بحفظ السنة، فدل ذلك - بزعمهم - على أن السنة ليست محفوظة ولا ملزمة.

وهذه الشبهة واهية كبيت العنكبوت، ظاهرها زخرف وباطنها هدم للدين من أساسه، لأنها في حقيقتها طعن في وعد الله، وتشكيك في اكتمال الرسالة، واتهام لله – جل جلاله – بأنه أنزل قرآنا لا يفهم إلا بسنة ضائعة.

إن الله حين قال: (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون) لم يقل: (إنا نزلنا القرآن)، بل قال: الذكر، والذكر في كتاب الله اسم يشمل الوحي كله، قرآنه وسنته، كما قال سبحانه: (وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم)، فلو كان المقصود بالذكر هنا القرآن فقط، لما أمر الله نبيه أن يبينه، لأن القرآن لا يحتاج لبيان خارج عنه. 
ولكن البيان لا يكون إلا بسنة محفوظة مع القرآن.

فالله حفظ كتابه بحفظ بيانه، ومن زعم أن البيان لم يحفظ فقد زعم أن الكتاب نفسه لم يفهم، ومن زعم ذلك فقد اتهم الله بالنقص في وحيه.

ثم إن الله أمرنا بطاعة الرسول كما أمرنا بطاعته، فقال: (من يطع الرسول فقد أطاع الله)، وجعل مخالفة أمره سببا للعذاب فقال: (فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم). 
فهل يعقل أن يأمر الله بطاعة رسول، ثم يترك ما جاء به عرضة للتحريف والضياع؟
وهل يأمرنا باتباع السنة، ثم لا يصونها؟ هذا طعن في حكمة الله وعدله، لا يقوله مؤمن بربه.

إن الله لم يحفظ السنة بطريقة واحدة، بل سخر لها من وسائل الحفظ ما لم يسخر لأي كلام آخر:
فحفظها أولا في صدور الصحابة الذين عاشوا مع النبي صلى الله عليه وسلم، وشهدوا أفعاله وأقواله، ووعوها في قلوبهم كما وعوا القرآن. 

ثم حفظها في التدوين بأمر النبي نفسه، فقد ثبت عند البخاري وغيره أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعبد الله بن عمرو: (اكتب، فوالذي نفسي بيده ما يخرج منه إلا الحق)، وأشار إلى فيه الشريف.

ثم حفظها بالأسانيد المتصلة، وهي أعجب نظام حفظ عرفه التاريخ، لم تعرفه أمة قبل الإسلام ولا بعده، حيث ينقل كل حديث بالسند المتصل عن العدول الضابطين، وتعرف أحوالهم وعدالتهم وضبطهم حتى صار علم الرجال علما قائما بذاته لا مثيل له.

أفبعد هذا كله يقال إن السنة لم تحفظ؟
إنها لم تحفظ فقط، بل نخلت كما ينخل الذهب من التراب وأعظم، فما ثبت فيها صح عن رسول الله، وما لم يثبت رد، حتى ميز العلماء بين الصحيح والضعيف والموضوع بدقة لا يدانيها علم بشري في التوثيق.

ثم تأمل قوله تعالى: (وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا)، فالأمر هنا عام، لم يخصصه الله بالقرآن فقط، بل بكل ما آتانا به الرسول. 

فلو كانت السنة غير محفوظة لكان هذا الأمر عبثا، لأننا سنكلف باتباع شيء ضائع، وحاشا لله أن يأمر بما لا يمكن الوصول إليه.

كما أن الله قال: (لتبين للناس ما نزل إليهم)، فلو فقد البيان فقد الفهم، ولأصبح القرآن مبهما لا يعمل به إلا جزئيا. 

لكن الله وعد بحفظ الذكر كله ليبقى الدين واضحا محفوظا كما أنزله، لا يضيع منه حكم ولا سنة ولا توجيه.

والحقيقة أن حفظ السنة داخل في حفظ القرآن من جهتين:
الأولى: لأنها شارحة ومبينة له، فلو فقدت السنة فقد البيان، وضاع المقصود من حفظ الكتاب.
والثانية: لأن من حفظ القرآن هم الذين حفظوا السنة نفسها، فحفظ أحدهما متضمن لحفظ الآخر.

أما دعوى أن الله لم يتكفل بحفظ السنة نصا، فهي كمن يقول: إن الله تكفل بحفظ الروح ولم يتكفل بحفظ الجسد، مع أن حياة أحدهما لا تقوم إلا بالآخر.

لقد شاء الله بحكمته أن يجعل للقرآن حراسا من السنة، وللسنة حراسا من العلماء، فبقي الدين مصونا بعهده تعالى.
وقد صدق وعد الله، فحفظ القرآن بحروفه، وحفظت السنة بمعناها ونقلها وأسانيدها.

ولو تأملت تاريخ الأمم لوجدت أن كل ديانة غير الإسلام فقدت كتبها الأصلية، وتحولت إلى روايات وأساطير، إلا هذا الدين، فبقي محفوظا بشقيه، القرآن والسنة، على مدى أربعة عشر قرنا.

قال العلماء: كل ما حكم به رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو مما فهمه من القرآن أو ألهمه الله إياه، وهو وحي من الله بمثل ما أنزل في كتابه.

وقالوا: إن حفظ السنة من حفظ الدين، لأن الدين قرآن وسنة، ولا قيام لأحدهما إلا بالآخر.

فيا من تنكر حفظ السنة، اسأل نفسك:
هل هذا الدين الذي أكمله الله يمكن أن يترك نصفه بلا حفظ؟
وهل ربنا الذي قال: (اليوم أكملت لكم دينكم) يعقل أن يترك بيان هذا الدين عرضة للضياع؟
كلا والله، بل حفظ دينه كله، قرآنا وسنة، لفظا ومعنى، نصا وتطبيقا.

إن دعواكم بأن الله لم يحفظ السنة هي طعن في القرآن نفسه، لأن القرآن أمر باتباعها، ومن زعم ضياعها فقد زعم أن الله أمر بما لا يدرك، وهذا من أعظم الباطل.

فيا من يبحث عن الحق، إن كنت صادقا فاعلم أن القرآن والسنة توأمان لا يفترقان، حفظ الله أحدهما بحفظ الآخر، ومن هجر السنة فقد هجر القرآن، ومن طعن فيها فقد طعن في الوحي كله.

قال الله تعالى: (ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا).

فتمسك بسنة نبيك، فهي الأمان من الفتنة، والنور في الطريق، والزاد إلى الجنة.

ومن ظن أن الله تركها تضيع، فقد أساء الظن برب العالمين، وجهل وعده الحق: (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون).




اقرأ أيضا



للتواصل معنا

فايس واتساب تويتر تلغرام