الجمعة 8 شوال 1447 هـ || الموافق 27 مارس 2026 م


قائمة الأقسام   ||    كيف تحاور من ينكر أحاديث السنة الصحيحة    ||    عدد المشاهدات: 229

كيف تحاور من ينكر أحاديث السنة الصحيحة (2)
بقلم الدكتور صادق بن محمد البيضاني

على مائدة الحوار


كان موضوعنا لهذا اليوم: بيان حجية السنة، وحكم من أنكرها، أو أنكر بعضها، لكني أجلته إلى لقاء قادم إن شاء الله، وذلك بعد وقوفي على مئات التعليقات السلبية - على اللقاء الأول من هذه السلسلة على صفحتي في الفيسبوك - ممن يدعي عدم حجية السنة النبوية، وغالبيتهم حوثة، والذي لفت نظري وأذهلني أن جل هؤلاء المنكرين الذين علقوا - إن لم يكونوا جميعًا - لا يحسنون الإملاء، ولا تكاد تجد شخصًا كتب التعليق بإملاء صحيح، فكيف لهؤلاء أن يفتوا أنه لا حجة إلا في القرآن؟! بمعنى آخر، كيف فهموا أن القرآن هو المصدر الوحيد للشريعة، وأن السنة ليست بمصدر ثانٍ للشريعة، وهم لا يحسنون أوجب علم لفهم القرآن وهو الإملاء والقراءة الصحيحة؟! لذا تجد بعضهم يكتب الآية ناقصة، أو يركب آيتين فيجعلهما آية، أو يأتي بحديث مكذوب ولا يحسن كتابته، أو بحديث صحيح لا يحسن فهمه، ناهيك عن الأسلوب الركيك.

إخواني جميعًا، من شروط فهم وتفسير القرآن الكريم بما فيه من أدلة وأحكام ثلاثة شروط:

الشرط الأول: أن يكون المفسر قد درس علوم اللغة وأتقنها، وفي مقدمة ذلك: علم الإملاء، والقراءة، والنحو، والصرف، وعلم البيان، وعلم البديع، وعلم المعاني، وعلم الإنشاء، ونحوها من علوم اللغة.

فلا تقل: القرآن عربي وواضح، والله يقول "بلسان عربي مبين" ولسانك أعوج، ولا تتقن الإملاء والنحو والصرف ونحوها من علوم الآلة، فضلا عن فصيح اللغة وفقهها واساليبها. رغم أن اللغة مصدر لسان، وليست مصدر شرع، وقد اتفق العلماء أن الحقيقة الشرعية مقدمة على الحقيقة اللغوية، وهذا الاتفاق في حق الفقهاء والمفتين ونحوهم ممن يدرك الحقيقتين كي يضبط المسألة، أما من لم يكن من أهل العلم، فيظل كلامه مجرد هذهذه أو ثرثرة، لا اعتبار لها في الميزان العلمي والشرعي.

الشرط الثاني: أن يكون عالمًا ورعًا في بيان وتفسير كلام الله، فإن رأى من هو أعلم منه ترك البيان لمن هو أعلم منه تورعًا.

الشرط الثالث: أن يراقب الله جل وعلا في كل ما يقوله في كتاب الله، لكونه يفسر مقصد الله سبحانه في السياق القرآني. وهناك شروط أخرى يطول ذكرها.

لكن للأسف نجد أن بعض آبائنا وإخواننا وشبابنا وأبنائنا المغرر بهم، يقلد بعضهم بعضًا في التعليقات، وينسخ الكلمات من آخر وينشرها، دون وعي أو إدراك للمكتوب، ودون علم أو دراسة لمثل هذه المسألة التي فيها الجمر تحت الرماد.

إن ما وقع فيه محمد شحرور ومن تبعه من أبناء المسلمين لا يقف عند إنكار السنة، بل هو بداية لإنكار القرآن الكريم والخروج من دائرة الإسلام، وهذا عين ما حصل في القرون الأولى المتقدمة بعد زمن النبوة (كما ذكرنا ذلك في المقال السابق؛ فراجعوا ما كتبناه بتأنٍ واستحضار قلب).

فشحرور لم ينكر السنة أو بعضها فحسب، بل طعن في القرآن، وأنكر كثيرًا من أحكامه، وقد ضربت لكم أمثلة على ذلك في المقال السابق، مشيرًا لكتابه "الكتاب والقرآن"، رغم ما في كتابه من ضعف لغوي وعلمي، لكونه لم يدرس علوم اللغة ولا الشريعة ولا علوم الحديث، رابطًا فهمه للقرآن والشرع بمقتضى العقل ومبادئ النظام الماركسي.

ومما تعجبت منه تعليقات بعضهم على المقال السابق: حيث كتبوا أن من يقول بحجية السنة فإنه مؤيد للجهة العدوانية الفلانية، أو الدولة الفلانية، وإنه لم يناصر الحق في كذا وكذا، وليس له مقالات في الدفاع عن بيضة المسلمين، ونحوها من التخرصات التي لا علاقة لها بموضوع المقال.

وهذا الصنيع من المضحكات الغريبات من جهتين:

الأولى: أن هذا خلاف الواقع؛ فقد كتبت عدة مقالات فيما ذكروه من المسائل العصرية، وهي منشورة بهذه الصفحة، وأنكرت على من يخذل الإسلام وأهله.

والجهة الثانية: أن النقاش يتعلق بمنكري السنة، فإدخال موضوع في آخر يعد عند أهل النظر من الحماقة.

إخواني جميعًا، هذه السلسلة مهمة، وهي مفتوحة للحوار، لا لتقرير الأحكام من العوام ومن لا يحسن الكتابة، لأن فاقد الشيء لا يعطيه، فالعلم له رجاله وتخصصاته، كما أن للطب البشري رجاله وتخصصاته، والعوام تبع لتوجيهات علمائهم، ولو كانوا من حاملي شهادة الدكتوراه في غير علوم الشريعة، لكونهم لا يملكون آلة التمييز والترجيح في القضايا الشرعية، نظرًا لكونهم لم يطلبوا العلم الشرعي، وهذا ما جاء في محكم التنزيل، كما في قوله تعالى: "فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون"، و"من تكلم في غير فنه أتى بالعجائب"، وهذا هو الباب الذي أقحم شحرور وأمثاله أنفسهم فيه، فضلوا وأضلوا، حيث أعادونا إلى الوراء، إلى مسائل ظهرت في القرن الأول الهجري، وتم علاجها والقضاء عليها في القرون الأولى المتقدمة، واليوم يحيونها ليشغلوا المسلمين عن العلم الصحيح وعن وحدتهم، حتى لا تقوم لهم قائمة، بمباركة دولية عدوانية تحت مسميات التجديد، (ولكن أكثر الناس لا يعلمون).

الموضوع جد خطير، فالقضية ليست مناكفة، بمعنى ما دام فلان ليس على هواي، فلا بد من معاداته، حتى ولو كان مصيبًا.

لا شك أن الرافضة، وعلى رأسهم الحوثة باليمن، ينكرون السنة لكونها تنكر جرائمهم ومعتقداتهم التي تتعارض مع الدين والفطرة، ولا يمكن أن يتقبلوا الحق، حتى لو نُصِبه في أفواههم محشيًا بالعسل ما قبلوه منا، لأنهم طائفيون، واتباع سلالة فارسية مارقة، ذات جذور مجوسية حاقدة، ويا قلباه على عوام المخدوعين بالحوثيين!، فانتبهوا، انتبهوا أن يفتنوكم في دينكم ودنياكم، فمشروع إيران باليمن أكبر مما تتوقعون، وقيسوا على ذلك أتباع مدعي المهدية، فإنهم أعداء الفطرة والدين، وعداؤهم للسنة لكونها تكشف دجلهم وعوارهم، وقيسوا على ذلك العلمانيين واللبراليين، وأصحاب الأحزاب الفكرية المضلّة كالناصرية أنموذجًا، لأن منهجهم إبعاد الإسلام عن الدولة.. فقد قامت الثورة اليمنية عام 1962م بدماء مخلصين لدينهم ووطنهم، فتآمروا عليهم وعلى الحكم، وقتلوا كثيرا منهم، وسجنوا كثيرا، لأجل القضاء على أي مسمى ديني في الدولة اليمنية.

وقيسوا على ذلك القرآنيين والمعتزلة والفلاسفة والعقلانيين - سواء كانوا أكاديميين منظرين أو كانوا مرتزقة يعملون من خلف الستار - لأن هؤلاء أصحاب أهواء، وفلسفة يونانية، أو أطماع شخصية لا همّ لهم سوى مصالحهم، مقابل محاربة الفطرة والعلم الشرعي وأهله.

إخواني جميعًا، إن الغرض من هذه السلسلة إصلاح ما هدمه من أشرنا إليهم سابقًا، والمجال متاح لكل من لديه علم، فتكلم بعلم، أو اسكت بحلم، ومن سكت فهو أسلم ممن تكلم وكتب، واحذروا السب واللعن والاتهام والمناكفة وألفاظ الإغاظة، والترجل بالتعليقات الخالية من الأدب والعلم ونحو ذلك، فهذا كله لن يعالج مرضًا، ولن ينهض بأمة.

وفق الله الجميع لطاعته، وألهمهم رُشدهم.

حرر بتاريخ 11 ذي القعدة لعام 1446 هجرية




اقرأ أيضا



للتواصل معنا

فايس واتساب تويتر تلغرام