الحلال الطيب، وترك المحرمات، وخطر كتمان الحق وشراء الضلالة بالهدى
[ضمن سلسلة نور القرآن الكريم - تفسير وتأملات آيات الذكر الحكيم، الحلقة رقم (56)]
بقلم الدكتور صادق بن محمد البيضاني
قال الله تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ ١٧٢ إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ١٧٣ إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ١٧٤ أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ ١٧٥ ذَٰلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ ١٧٦﴾.
بعد أن أمر الله تعالى في الآيات السابقة باتباع الحلال الطيب، وحذر من خطوات الشيطان والقول عليه بغير علم، وذم التقليد الأعمى واتباع ما عليه الآباء بغير هدى؛ انتقل هنا إلى خطاب المؤمنين، فأمرهم أن يأكلوا من الطيبات ويشكروا الله، ثم بيّن بعض المحرمات، وفتح باب الرخصة عند الضرورة.
ثم انتقل من فساد المطاعم إلى فساد أعظم، وهو كتمان الوحي وبيع الحق بالدنيا، فبيّن أن من أخطر صور الانحراف أن يعرف الإنسان الحق ثم يخفيه لمصلحة أو مال أو جاه، ثم يشتري الضلالة بالهدى والعذاب بالمغفرة.
وختمت الآيات ببيان أصل القضية: أن الكتاب نزل بالحق، وأن الاختلاف فيه بعد قيام الحجة ليس اختلافا في الرأي، بل شقاق بعيد عن الحق.
قال سبحانه:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾.
بعد أن كان النداء في الآية السابقة عاما للناس، جاء هنا النداء للمؤمنين خاصة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾؛ ليبين أن المؤمن لا يتعامل مع الرزق باعتباره متعة، وإنما باعتباره نعمة من الله ومسؤولية تستوجب الشكر.
وقوله: ﴿مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ يشمل ما كان طيبا حلالا، مما أباحه الله لعباده.
ثم قال:
﴿وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾.
فمن مقتضى عبادة الله أن يعترف العبد بنعمه، ويستعملها في طاعته، ولا يجعل النعمة سببا للغفلة عن المنعم.
ولهذا قال تعالى:
﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.
فالطعام والشراب والصحة والمال والأمن وسائر الأرزاق ليست أمورا مستقلة عن فضل الله، وإنما هي من رزقه الذي أمرنا أن ننتفع به ونشكره عليه.
ثم قال سبحانه:
﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾.
أي إن هذه من المحرمات التي حرمها الله على عباده.
وهذا يرد على من يتوهم أن الشريعة تضيق على الناس وتحرم عليهم الطيبات؛ فالأصل في المطاعم الإباحة، وإنما جاءت الشريعة بتحريم ما فيه خبث أو ضرر أو تعلق بحق الله وتوحيده.
وقد جاء هذا المعنى في قوله تعالى:
﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾.
فالشريعة جاءت بحفظ الإنسان، وتطهير حياته، وربطه بعبادة الله، لا بحرمانه من النعم.
ثم قال تعالى:
﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾.
فإذا بلغ الإنسان حال الضرورة التي يخشى معها الضرر أو الهلاك، جاز له أن يتناول من المحرم بقدر ما تندفع به ضرورته.
لكن الله قال:
﴿غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ﴾.
أي لا طالبا للمحرم مع عدم الضرورة، ولا متجاوزا قدر ما تدفع به الضرورة.
وهذا من رحمة الله بعباده؛ فالشريعة تحرم ما يضر الإنسان، لكنها لا تكلفه ما لا يستطيع، ولا تغلق عليه باب النجاة عند الاضطرار.
ولهذا ختم الآية بقوله:
﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.
فمن رحمة الله أنه شرع الأحكام، ومن رحمته أنه شرع الرخص عند الضرورات.
ثم انتقلت الآيات من الحديث عن الطعام إلى جريمة أعظم، فقال سبحانه:
﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ﴾.
وهذا من أعظم الذنوب؛ لأن الذي يكتم الحق لا يضل نفسه فقط، بل قد يحرم غيره من الوصول إلى الهدى.
والكتمان قد يكون بإخفاء الحكم الشرعي، أو عدم بيان الحق لمن يحتاج إليه، أو تحريف معناه، أو السكوت عن الحق مع العلم به خوفا من الناس أو طلبا لمصلحة دنيوية.
ولهذا قال:
﴿وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾.
أي يجعلون ما عند الله من الهدى سلعة يستبدلون بها منفعة دنيوية، مهما عظمت في أعينهم فهي في الحقيقة ثمن قليل إذا قورنت بما أعده الله.
وقد قال تعالى في موضع آخر:
﴿وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ﴾.
فالحق لا يجوز أن يباع بمال، ولا بجاه، ولا برضا الناس، ولا بمصلحة شخصية.
ثم قال سبحانه:
﴿أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ﴾.
صورة شديدة الوعيد: ما حصلوا عليه من المال أو المنفعة بسبب كتمان الحق، وإن بدا لهم طعاما أو مالا في الدنيا، فهو في عاقبته نار.
ثم قال:
﴿وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.
وهذا من أشد الوعيد؛ حرمان من كلام التكريم، وحرمان من التزكية، ثم عذاب أليم.
ثم قال تعالى:
﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ﴾.
فقد كان عندهم الهدى، لكنهم اختاروا الضلالة.
وكان أمامهم طريق المغفرة، فاختاروا طريق العذاب.
وهذه أعظم خسارة؛ لأن الإنسان قد يخسر مالا ثم يعوضه، وقد يخسر منصبا ثم يستعيده، لكن من استبدل الهدى بالضلالة والمغفرة بالعذاب فقد خسر ما لا يمكن تعويضه.
ولهذا جاء التعجب الإلهي:
﴿فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ﴾.
أي ما أعجب جرأتهم على الأعمال التي توردهم النار، مع أن طريق النجاة قد بينه الله لهم.
ثم قال سبحانه:
﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ﴾.
أي إن سبب استحقاقهم لهذا الوعيد أنهم لم يتعاملوا مع الكتاب على أنه حق منزل من الله، بل كتموا منه ما يخالف أهواءهم ومصالحهم.
فالكتاب نزل بالحق، وما جاء به الله حق، وما أمر به حق، وما أخبر به حق.
ثم قال:
﴿وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾.
فليس كل اختلاف مذموما؛ فقد يقع الاختلاف في مسائل الاجتهاد التي يسوغ فيها الاجتهاد، لكن المذموم هنا هو الاختلاف الذي يكون عن عناد واتباع هوى ومخالفة للحق بعد ظهوره.
ولهذا عبر بقوله:
﴿لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾.
فالذي يجعل الوحي تابعا لرأيه، أو يكتم منه ما لا يوافق هواه، أو يرد الحق لأنه خالف ما ألفه، لم يعد يبحث عن الحق، وإنما دخل في شقاق بعيد عنه.
وهنا يظهر الترابط العجيب بين هذه الآيات وما قبلها:
فالآيات السابقة حذرت من اتباع خطوات الشيطان والتقليد الأعمى والقول على الله بغير علم، وهذه الآيات تبين صورة أخرى من صور الانحراف وهو: ترك هدى الله، وكتمان الحق، وبيعه بمصلحة دنيوية، ثم الاختلاف في الكتاب بسبب الهوى.
فالميزان في الجميع واحد: الحق هو ما أنزله الله، لا ما تشتهيه النفس ولا ما اعتاده الناس ولا ما يحقق المصلحة العاجلة.
رسائل الآيات إلى المسلم
الأولى: استمتع بطيبات الله، ولكن لا تنس أن كل نعمة تحتاج إلى شكر.
الثانية: اعلم أن الحلال والحرام حق لله، فلا تحرم ما أحل الله ولا تستحل ما حرم الله بغير علم.
الثالثة: إذا وقعت الضرورة، فالشريعة رحيمة؛ تبيح للمضطر بقدر حاجته، ولا تكلفه ما لا يستطيع.
الرابعة: احذر كتمان الحق الذي تعلمه، ولا تجعل مالا أو منصبا أو رضا الناس سببا في إخفائه.
الخامسة: لا تبع آخرتك بمصلحة دنيوية؛ فكل ما يؤخذ في مقابل ترك الحق ثمن قليل مهما كثر.
السادسة: لا تجعل هواك حاكما على الوحي؛ فالكتاب نزل بالحق، والواجب أن يخضع رأيك للحق لا أن تجعل الحق تابعا لرأيك.
السابعة: إذا ظهر لك الحق فاتبعه، ولا تكن ممن استبدل الهدى بالضلالة والمغفرة بالعذاب.
تعلمنا هذه الآيات أن المؤمن يأكل من الطيبات ويشكر المنعم، ويعرف حدود الحلال والحرام، ويؤمن برحمة الله عند الضرورة، ويحذر من كتمان الحق وبيعه بالدنيا، ولا يجعل الهوى أو المصلحة أو العادة حاكما على الوحي. فالكتاب نزل بالحق، وسعادة الإنسان في أن يستقبله بقلب مستسلم، فإذا عرف الحق لم يكتمه، وإذا ظهر له لم يستبدله بغيره.
معاني مفردات الآيات
طيبات: الحلال المستطاب النافع.
اشكروا: اعترفوا بنعمة الله واحمدوه واستعملوا نعمه في طاعته.
الميتة: ما مات من الحيوان بغير تذكية شرعية.
الدم: الدم المسفوح المحرم أكله.
أهل به لغير الله: ذكر عند ذبحه اسم غير الله، أو ذبح تقربا لغير الله.
اضطر: ألجأته الضرورة إلى تناول المحرم.
باغ: طالب للمحرم مع عدم الاضطرار، وقيل: غير طالب للحرام.
عاد: متجاوز قدر الضرورة.
يكتمون: يخفون ولا يبينون.
ثمنا قليلا: منفعة دنيوية مهما عظمت فهي قليلة أمام ثواب الله.
يزكيهم: يطهرهم ويثني عليهم بالخير.
اشتروا الضلالة بالهدى: استبدلوا الهدى بالضلال.
الشقاق: المخالفة والعداوة والمباعدة عن الحق.
شقاق بعيد: مخالفة شديدة بعيدة عن طريق الحق.