الإثنين 10 شوال 1441 هـ || الموافق 1 يونيو 2020 م


قائمة الأقسام   ||    مفاهيم يجب أن تصحح    ||    عدد المشاهدات: 397

العلماء مع الأمراء
(ضمن سلسلة مفاهيم يجب أن تصحح)
الحلقة (6)
بقلم الدكتور صادق بن محمد البيضاني

العلماء في هذا الباب على اربعة أقسام:

القسم الأول: عالم نصوح للسلطان بحكمة ولين من غير فتنة، لا يخاف إلا رب العالمين، يتنزه عن أبواب السلاطين إلا للنصيحة، فهذا عالم عامل تقي، جمع بين العلم والعمل، وهو ممن قال الله فيه وفي أمثاله: "الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلا اللَّهَ، وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا".

سواء كان هذا العالم يعمل في الحكومة السلطانية أو لا يعمل، فليس كل من عمل مع السلطان افتتن، فقد تولى نبي الله يوسف منصب عزيز مصر، وقال لمليكها – وهو كافر على الراجح-:(اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأرْض إنِّي حِفِيظٌ عَلِيم)، وقد عمل بعض العلماء الربانيين لدى بعض سلاطين عصرهم كالعلامة الشوكاني والعز بن عبد السلام واسماعيل بن علية وغيرهم.

بل لو خالط الوظيفة الحكومية أثناء عمله شيء من المخالفات الشرعية فله أن يبقى في عمله متى ترجحت المصلحة على المفسدة، وقد نصت القاعدة الفقهية على أنه لو اجتمعت مفسدتان روعي أعظمهما بارتكاب أخفهما، وأيضا أن الأخذ بأعظم المصلحتين جائز عند دفع أعظم المفسدتين، وكذلك قاعدة " ارتكاب أخف الضررين للتخلص من أشدهما"، مع أني لا أحبذ لنفسي أن أكون موظفاً لدى السلطان حتى ولو كان صالحاً عادلاً.

القسم الثاني: عالم مفتون يجاري السلطان لأجل عرضٍ من الدنيا قليل، ويبحث له عن مخارج في كل زلة يرتكبها، ويفتي بما يوافق هوى السلطان، فهذا عالم لا يخاف الله رب العالمين، وليس بعالم عامل ولا تقي، ولا يُعد ممن جمع بين العلم والعمل، لأنه يأمر بالمعروف ولا يأتيه، وينهى عن المنكر ويأتيه، وهو ممن قال الله فيه وفي أمثاله: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ".

وفي الصحيحين عن أسامة بن زيد - رضي الله عنهما -: أنه سمع النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: "يُجاء بالرَّجُل يوم القيامة، فيُلقى في النار، فتندلق أَقْتَابُه، فيدور بها كما يدور الحمار برَحاه، فيجتمع أهل النار عليه؛ فيقولون: أي فلان، ما شأنُك؟ أليس كنتَ تأمرنا بالمعروف، وتنهانا عن المنكر؟! فيقول: كنتُ آمركم بالمعروف ولا آتيه، وأنهاكم عن المنكر وآتيه".

القسم الثالث: داعية واشي، يتقرب إلى السلطان ويقوم بدور الاستخبارات في أوساط إخوانه الدعاة وطلاب العلم، فينقل للسلطان أو من ينوبه أخباراً لأجل يضر من يختلف معهم في الرأي، فهذا لا يوصف بعالم، ولكنه داعية ضعيف الايمان، عميل نمام، يظلم اخوانه المسلمين بغير حق، حيث وثق به السلطان فاستغل هذه الثقة لأجل أن ينتقم من غيره أو لأجل أن يظهر اخلاصه للسلطان على حساب اخوانه، وهذا الصنف ينطبق في حقه الأدلة السالفة الذكر في القسم الثاني "المتقدم".

أخرج مسلم في صحيحه مسلم عن همام بن الحارث قال: "كنا جلوسا مع حذيفة في المسجد، فجاء رجل حتى جلس إلينا، فقيل لحذيفة: إن هذا يرفع إلى السلطان أشياء، فقال حذيفة: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "لا يدخل الجنة قتات"، والقتات هو النمام.

وقد رأينا بعض هؤلاء لدى بعض السلاطين وهم يقولون له : فلان وفلان – تحريضاً للسلطان على المخالف-، وبعضهم ربما حرض السلطان من خلال مذياع أو صحافة أو قناة، أو تقرير جائر يرسله لبعض الجهات الأمنية أو الاستخباراتية، وهذه من طوام بعض فضلاء العصر التي غفل عنها بعضهم، وقد كان سلفنا يحذرون من إتيان أبواب السلاطين إلا في مواطن لا بد منها: كالإنكار عليه بالحكمة، أو توجيهه أو نصحه، أو مشاورته في قضايا مصيرية، ونحوها من الأمور التي تهم البلاد والعباد، يقوم بذلك العلماء والدعاة الورعون وغيرهم من الأعيان ونحوهم من أهل الحل والعقد، والذين منهم صنف القسم الأول المذكور أعلاه.

القسم الرابع: وهو عكس الثاني والثالث، وهم دعاةٌ يسعون لإسقاط هيبة ولي الأمر المسلم، حيث يوغرون عليه صدور الناس بوسائل مختلفة، لزلة منه أو خطأ أو ظلم، وكان الأولى بهم تنبيهه ووعظه وتذكيره، لعله يرجع إلى الحق والصواب، فإن لم يرجع صبروا حتى يجعل الله لهم فرجاً ومخرجاً، دفعاً للفتنة وسفك الدماء، ولعل ثورات الربيع العربي أكبر مثال جر للفتن وسفك الدماء في العصر الحديث، وفي ذلك عبرة لمن اعتبر، وكما يقول العامة "حاكم غشوم ولا فتنة تدوم"، وقد ورد في ذلك بعض الأحاديث والآثار العديدة، ومن ذلك:

ما ثبت في مسند الإمام أحمد وغيره عن عياض بن غنم رضي الله عنه قال: قال رسول الله عليه الصلاة والسلام: «من أراد أن ينصح لذي سلطان في أمر فلا يبده علانية، وليأخذه بيده، فإن قبل منه فذاك، وإلا كان قد أدَّى الذي عليه» ([1]).

وأخرج الإمام مسلم في صحيحه عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما قال:« قيل له: ألا تدخل على عثمان فتكلمه؟ فقال: أترون أني لا أكلمه إلا أسمعكم؟! والله لقد كلمته فيما بيني وبينه ما دون أن أفتتح أمراً لا أحب أن أكون أول من فتحه» ([2]).

وسئل ابن عباس رضي الله عنهما عن أمر السلطان بالمعروف ونهيه عن المنكر فقال: «إن كنت فاعلاً ولابد ففيما بينك وبينه»([3]).

ولذا فحديث أبي سعيد الخدري الذي يقول فيه: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«أفضل الجهاد كلمة عدل عند سلطان جائر» أخرجه ابن ماجه والبيهقي في شعب الايمان ([4])، يؤكد نصيحة السر بقوله: «عند سلطان جائر»، ولم يقل: «عند العامة أو من على المنابر ونحوها من الوسائل».

ومما لا شك فيه شرعاً أنه يجب إنكار المنكرات سواء كانت من السلطان أو من عامة الناس، إلا أن إنكار مثل ذلك على السلطان لا بد فيه من الحكمة ونصيحة السر؛ لأمرين اثنين:

الأول: أن هذه طريقة الصحابة وأصحاب القرون المفضلة وهي الموافقة للنصوص الشرعية.

الثاني: حرصاً على جمع الكلمة، وخوفا من فتك السلطان، فكم سفكت دماء على مر التاريخ بسبب غياب الحكمة في التعامل مع ولاة الأمر وخصوصاً الظلمة منهم.

وقد ذكرت هذه الأقسام الاربعة في مواضع متفرقة من كتابي "الوثيقة المهمة لإصلاح ما بين فضلاء الأمة" طبعة دار اللؤلؤة ببيروت، عام 1436هـ - 2015م، وكذلك ضمن سلسلة: "دراسات منهجية في ظل الانحرافات الفكرية".

وفق الله الجميع لطاعته. وألهمهم رشدهم.

 

([1])  أخرجه أحمد في مسنده (24/49 حديث رقم 15333)، كما أخرجه ابن أبي عاصم في السنة، والحديث ثابت بحمد الله.

([2])  أخرجه مسلم في صحيحه [كتاب الزهد والرقائق، باب عقوبة من يأمر بالمعروف ولا يفعله وينهى عن المنكر ويفعله ( 4/22990 أثر رقم 2989)].

([3])  ابن رجب، جامع العلوم والحكم (ص83). والأثر أخرجه بمعناه البيهقي في " شعب الإيمان" (10/73 رقم 7186).

([4])  أخرجه ابن ماجة في سننه [كتاب الفتن، باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر(2/1329 حديث رقم 4011)].




اقرأ أيضا



فايس واتساب تويتر تلغرام