الأربعاء 25 جمادى الآخرة 1441 هـ || الموافق 19 فبراير 2020 م


قائمة الأقسام   ||    مفاهيم يجب أن تصحح    ||    عدد المشاهدات: 304

سلامنا وتصالحنا وتحالفنا مع الأعداء... وقفة تأمل

الحلقة (7)

(ضمن سلسلة مفاهيم يجب أن تصحح)
بقلم الدكتور صادق بن محمد البيضاني

 

ذكرت في مقالات سابقة قبل عشر سنوات ثم طبعت هذه المقالات في كتابي "الدول الاسلامية وشبهات المبطلين": أن الدول الاسلامية على مر التاريخ تصالحت وتحالفت مع دول الغرب ضد أكثر من عدو مشترك لا يأمن ضرره المسلمون ولا الأعداء الذين تحالفوا مع المسلمين، وعادةً ما تكون هذه التحالفات والتصالحات ضمن عقود زمنية معينة، ثم تجدد حسب ما اتفق عليه المتحالفون من الشروط الداعية للصلح والسلام والأمن، وقد شُهرت هذه الاتفاقيات بعد الحرب العالمية الأولى ثم الثانية، وكذلك إبان خروج الاستعمار من البلدان العربية والاسلامية ابتداء بالخمسينيات الميلادية وما بعدها إلى يومنا هذا، وهذه التحالفات متجددة بين الحين والآخر، ولا مانع منها شرعاً إذا خلت من موالاة الكافرين على المسلمين وكانت لمصلحة راجحة كما هو مشهور عند العلماء، فقد حالف النبي عليه الصلاة والسلام خزاعة وأهل مكة واليهود في المدينة وفي خيبر، وأشار عليه الصلاة والسلام إلى مثل هذه التحالفات في أكثر من حديث، ومما يؤكد ذلك ما أخرجه الإمام أبوداود في سننه والحديث صحيح عن ذِي مِخْبَرٍ، رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: "سَتُصَالِحُونَ الرُّومَ صُلْحًا آمِنًا.."، وهذا وإن كان يشير إلى صلح سيكون في آخر الزمان قبل خروج المهدي لكنه إشارة لجواز الصلح عند تحقق المصلحة للمسلمين، فيضاف إلى أدلة جواز التصالح والتحالف مع الأعداء ضد عدو مشترك متى اندفعت به المفسدة وظهرت فيه المصلحة، ولست بصدد بيان المسألة بكل أدلتها وتفصيلاتها لكون هذه الأدلة والتفصيلات الخاصة بالتصالح والتحالف مع الأعداء سبقت بشروطها من خلال مقالٍ لي بعنوان: "قول الخوارج: إن حكام المسلمين في العصر الحديث تحالفوا مع الصليبيين ضد أهل الإسلام" ولذا أغناني عن التكرار، ويمكن للقراء الكرام الوقوف عليه لأهميته.

لكني أتساءل هل التزم أعداؤنا وخصوصاً أمريكا ودول التحالف الأجنبي بشروط هذه التحالفات والتصالحات المتجددة وخصوصاً في قضايا الدول العربية والاسلامية كقضية فلسطين وأفغانستان والعراق وسوريا ونحوها، أم أن كل سلام وتحالف مع المسلمين لا يلزم فيه إقامة أمن وسلام حقيقيين باعتبار أن المسلمين أعداء تاريخيون للروم والفرس والبوذيين ونحوهم!!.

إن التحالفات العصرية وما قبلها، وخصوصاً تحالفات الخمسينيات الميلادية حتى يومنا هذا تحالفات هشة لم تلتزم فيها أمريكا ودول التحالف الأجنبي بالشروط والواجبات مع الدول الاسلامية والعربية، ولذا نجد أن بلاد المسلمين وكذا دول الأقليات الاسلامية لم تحظ بحظ كبير من هذه التحالفات التي لا تسلم من دس السم في العسل، وأكبر مثالين في واقعنا الاسلامي المؤلم أن الشرق الأوسط صار حلبة صراع وقتال بين أطراف الوطن الواحد، وصارت أمريكا ودول التحالف الأجنبي كالمتفرج والمغذي لكل أطراف الصراع، وقد شاهدنا حماة الديمقراطية وهم أمريكا وأوربا ومن شايعهم من الدول الأجنبية الأخرى، ورأينا بأم أعيننا موقفهم الهزيل تجاه البلاد العربية في ظل ثورات الربيع العربي عام 2011م، فتارة يقفون مع الشعوب، وتارة مع الحاكم، ونسوا مبادئ الديمقراطية المزعومة والتحالفات والتصالحات الهشة التي تنص على السلام والاستقرار والأمن وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول.

وقد كان موقفهم بين طرفي نقيض يعود لكونهم هم مَن صدَّر الثورات للعرب المسلمين من خلال رعاع الأحزاب السياسية وغلمان الإعلام المزيف والمسير كي يجعلوا شعوب المسلمين العرب تتقاتل مع الحاكم ويدعمون الدعم المادي والمعنوي من وراء الكواليس للطرفين، ويوهمون كل طرف أنهم معه لأجل إشعال الفتنة والحرب بين الراعي والرعية.

والمثال الآخر: القضية الفلسطينية التي تعتبر القضية الأم للمسلمين، ماذا حققت هذه التحالفات والتصالحات تجاه هذه القضية الشائكة؟ الجواب: لا شئ، بل أهدت أمريكا ودول الغرب أرض فلسطين لليهود عام النكبة 1948م، وقسموا الدول العربية إلى دويلات متناحرة، وزرعوا في كل دويلة مجموعة أحزاب تتناحر فيما بينها على كرسي الحكم، وقاموا بدعم هذه الأحزاب لنبقى منشغلين بالخلافات بيننا، بل وأدخلوا في بلداننا مجموعة من المنظمات بصورة مساعدات مقابل تنازلات تمسّ عقيدتنا وديننا ووطننا وشعوبنا،، لكي ينسى المسلمون قضاياهم المصيرية وخصوصا قضية فلسطين المحتلة، وهكذا هم الأعداء.




اقرأ أيضا



فايس واتساب تويتر تلغرام