هل السلفيون حزب عندهم بيعة وأمير وقيادات عليا يلزم طاعتها كبقية الجماعات والتكتلات الحزبية؟
بقلم الدكتور: صادق بن محمد البيضاني
س 205: من المعلوم أن الحزب في اللغة العربية بمعنى الجماعة، والسلفيون جماعة مثل بقية الجماعات الأخرى، فلماذا إذن التحذير من الحزبية؟
ج 205: لا شك أن الحزب لغة بمعنى الجماعة أو الطائفة ويأخذ كذلك المعنى الاصطلاحي العام، وأما تحذير علماء الاسلام من الحزبية فإنه ينحصر في الحزب أو الجماعة التي عندها بيعة وأمير وتنفيذ أوامر، وولاءات ضيقة لمن هو عضو في هذا الحزب، وسمع وطاعة عمياء للقيادة الحزبية، وتكتل منظم يقول فيه الأمير أو القيادي للأعضاء: افعلوا أو لا تفعلوا فينفذون أوامره من غير نقاش، وإنما سمع وطاعة بعيداً عن حكم الشرع المطهر القائم على أدلة الكتاب والسنة، ومن لم ينفذ فسيُعاقب.
وليس عند السلفيين بيعة وأمير وتنفيذ أوامر، وولاءات ضيقة، وسمع وطاعة عمياء لأي عالم أو طالب علم، ولا تكتل منظم، بل السلفيون "أهل السنة والجماعة" يحتكمون إلى الشرع المطهر القائم على أدلة الكتاب والسنة، وهذه من أهم الفوارق التي هي فيصل بين السلفيين وبين غيرهم من الجماعات ذات التكتل الحزبي المبتدع.
ولذا أنكر العلماء الربانيون قيام أحزاب وتكتلات حزبية ديمقراطية كحزب النور السلفي وحزب الرشاد الخلفي وغيرهما من الأحزاب الأخرى الجهادية كالجماعة الجهادية في الجزائر والمغرب وسيناء ممن نسبت نفسها للسلفية وعدوا هذه الأحزاب والجماعات أحزاباً تنافي مع منهج السلف.
فالسلفيون ليس لهم زعيم وقيادة تأمر وتنهى من دون الله، بل العالم منهم إذا قال قولاً أخطأ فيه فإن قوله لا يلزم الأمة ولا من حوله من طلابه، وله احترامه وتبجيله ومكانته العلمية مع نصيحته بعلم وحلم، ومخالفته في ما أخطأ فيه، بخلاف الجماعة ذات التكتل الحزبي القائم على الطاعة العمياء "اسمع واطع ولا تناقش" فهذه الطاعة استبداد فكري شيوعي للشباب المخدوع بالجماعة المتحزبة.
نعم قد يوجد عند بعض السلفيين أفراد عندهم قصور من ناحية عدم احترام بعض العلماء نظراً لتعصبه لقول عالم آخر، لكن العالم الآخر ليس أميراً له ولا أخذ على من قلده البيعة في الحضر، ثم شيخه نفسه يحذره ويحذر غيره من التعصب، لأنه مذموم شرعاً والتحذير منه واجب، بخلاف أمير الجماعة أو القيادي في الجماعات ذات التكتل الحزبي فكلهم يدعون إلى التعصب والولاء للجماعة من غير نقاش، ولا يوجد عالم سنة على وجه الأرض إلا وهو يحذر من التعصب، فالمتعصب تعصبه محسوب على نفسه لا على منهج السلف ولا على شيخه السلفي بخلاف المتعصب للجماعة، فإن التعصب للحزب أو الجماعة مشروط عليه كعضو وليس محسوباً على شخصه فحسب، ولذا تجد الأفراد المتحزبين للجماعة يحاربون كل من خالفهم ويطعنون فيه ويتهمونه بالتهم الجائرة ولو كان أعلم الخلق، بل يزعمون أن من خالفهم فإنما هو مجرد عميل للسلاطين أو جهة مشبوهة، بل ويحملونه تبعات وأخطاء السلاطين، وكأن هذا العالم الرباني مسؤول عن ما يصدر من السلاطين من الزلات والأخطاء، بل ويطالبونه أن يرد على السلاطين رغم أن ذاك العالم أو الداعية ينكر كل منكر صدر سواء من عامي أو سلطان أو جماعة أو جهة إلا أن الحزبي لا يقنع حتى يروي غليل فؤاده ممن يقول له: تب واترك التحزب وحكَّم كتاب الله وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام.
ولا يعني ذلك أن من نصر منهج السلف، وهم أهل الأثر "الصحابة وبقية أهل القرون المفضلة" يكون متعصباً، فهذا ليس تعصباً لكونه نصر الحق الذي عند أهل الحق، الذين هم خيرة القرون باتفاق علماء الأمة عملاً بما أخرجه الإمام أحمد في مسنده بإسناد حسن من حديث أبي هريرة قال: "قيل للنبي صلى الله عليه وسلم يا رسول الله أي الناس خير؟ قال: أنا ومن معي، فقيل له ثم مَنْ يا رسول الله؟ قال: الذي على الأثر، قيل له ثم من يا رسول الله؟ قال: فرفضهم".
قال أبو محمد الرازي كما في اعتقاد أهل السنة(1/179): سمعت أبي يقول: "علامة أهل البدع الوقيعة في أهل الأثر"اهـ.
وقد اختصر أحد الفضلاء الفوارق بين السلفيين "أهل السنة والجماعة" وبين غيرهم من الفرق والجماعات ذات التكتل الحزبي المبتدع من كلام بعض أهل العلم في النقاط التالية:
1- أهل السنّة يتركون أقوال الناس للسنة، وأهل البدع يتركون السنّة لأقوال الناس.
2- أهل السنّة يعرضون أقوال الناس على السنّة فما وافقها أخذوه وما خالفها تركوه، وأهل البدع يعرضون السنّة على آراء الرجال فما وافقت السنة فيه آراءهم قبلوه وما خالفته السنة تركوه وتأولوه.
3- أن أهل السنّة يدعون عند التنازع إلى التحاكم إلى السنة دون عقول الرجال وأهل البدع يدعون عند التنازع إلى التحاكم إلى عقول الرجال.
4- أن أهل السنة إذا صحت لهم السنة عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لم يتوقفوا -عن العمل بها واعتقاد موجبها- على أن يوافقها موافق، بل يبادرون إلى العمل بها من غير نظر إلى من وافقها أو خالفها.
قال اﻹمام الشافعي -رحمه الله تعالى- : "وأجمع الناس على أن من استبانت له سنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لم يكن له أن يدعها لقول أحد"، وهذا من أكبر علامات أهل السنة أنهم لا يتركونها إذا ثبتت عندهم لقول أحد كائنا من كان.
5- أهل السنة لا ينتسبون لمقالة معينة ولا إلى شخص معين غير رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، كما قال بعض أئمة أهل السنة وسئل عنها "أي السنة": "السنة هي ما لا اسم له سوى السنة وأهل السنة إنما نسبتهم إلى الحديث والسنة".
6- أهل السنة إنما ينصرون الحديث والآثار السلفية، وأهل البدع ينصرون مقالاتهم ومذاهبهم.
7- أهل السنة إذا ذكروا السنة وجردوا الدعوة إليها نفرت من ذلك قلوب أهل البدع، وأهل البدع إذا ذُكرت شيوخهم ومقالاتهم استبشروا بها، فلهم نصيب من قوله تعالى: "وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ".
8- أهل السنة يعرفون الحق ويرحمون الخلق، وأهل البدع يكذبون بالحق ويكفّرون الخلق أو يضللونهم ويحاربونهم، فلا علم عندهم ولا رحمة، وإذا قامت عليهم حجة أهل السنة عدلوا إلى حبسهم وعقوبتهم إذا أمكنهم.
9- أهل السنة يوالون ويعادون على سنة نبيهم -صلى الله عليه وسلم- وأهل البدع يوالون ويعادون على أقوال ابتدعوها.
10- أهل السنة لم يؤصلوا أصولاً يحكمون بها ويحاكمون إليها خصومهم ويحكمون على من خالفها بالفسق والكفر، بل عندهم الأصل الكتاب والسنة وما كان عليه الصحابة.
11- أهل السنة إذا قيل لهم قال الله تعالى، قال رسوله -صلى الله عليه وسلم- وقفت قلوبهم عند ذلك ولم تتعدا إلى أحد سواه، ولم تلتفت إلى ماذا قال فلان وماذا قال فلان وأهل البدع بخلاف ذلك.
12- أهل السنة ليس لهم هوى سوى السنّة، وأهل البدع يأخذون من السنة ما وافق أهواءهم صحيحآ كان أو ضعيفآ، ويتركون ما لم يوافق أهواءهم من الأحاديث الصحيحة، فإذا عجزوا عن رده نفوه عوجآ بالتأويلات المستنكرة التي هي تحريف له عن مواضعه.
وفق الله الجميع لطاعته، وألهمهم رشدهم، وبالله التوفيق.