الأربعاء 27 شوال 1447 هـ || الموافق 15 أبريل 2026 م


قائمة الأقسام   ||    مختصر المنتقى من الفتاوى وزياداته    ||    عدد المشاهدات: 6205

لا يجوز عمل المنتديات التي تشجع على الفاحشة وأعمال الفسق

بقلم الدكتور: صادق بن محمد البيضاني 


س 304: أنا شخص لدي خبرة جيدة في المواقع والتعامل معها بكل الأشكال وقد قمت بعمل العديد من المواقع العربية وقد أرسل لي شخص إيميل وذكر فيه أن كل ما يحصل في المواقع التي أعملها - لأنها تحتوي على منتديات فيها أقسام للأغاني والشعر الغزلي وخلافه - سأتحمل وزره يوم القيامة وأن كل ما يحصل في الدردشة من التعارف بين الجنسين محرم وذنبهم علي فهل هذا صحيح وإذا كان صحيحًا فماذا علي فعله حيث أن لي الآن موقع يعمل وفيه دردشة ولا أريد أن يكون بذمتي شيء لله، مع أنني الآن أحاول (تطفيش) الزوار من الدردشة بالطرد حتى أعرف إجابتكم؟


ج 304: نسأل الله أن يرفع عن أمة الإسلام كل سوء ومكروه وأن يهدي شبابنا إلى ما يحبه ويرضاه، فما أسهل أبواب الشر وما أخطرها وخصوصًا أن الشيطان أقسم بالأيمان المغلظة أن تكون دعوته ومنهجه إضلال الأمة وإغوائها كما قال تعالى: "وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا([1])، وَلأُضِلَّنَّهُمْ وَلأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ([2]) آذَانَ الأَنْعَامِ وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللّهِ وَمَن يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِّن دُونِ اللّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُّبِينًا([3])، يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلاَّ غُرُورًا([4])، أُوْلَـئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَلاَ يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصًا([5])"([6]).

فيا سبحان الله كيف أغواهم مدعيًا أنه المرشد المشفق المحب الذي يرجو لهم الحياة السعيدة حتى أوردهم النار وحينها لا ينفع الندم ولا الحسرة ولا التمني وفوق ذلك كله يتبرأ الشيطان من أتباعه وحزبه يوم القيامة كما قال جل وعلا: "وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأَمْرُ إِنَّ اللّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلاَ تَلُومُونِي وَلُومُواْ أَنفُسَكُم مَّا أَنَاْ بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ"([7]).

فعلى السائل أن يحمد الله ويشكره أن وجد من يذكره بالله وينصحه ويبين له خطر ما هو عليه، فإن هذه الأعمال المذكورة آنفًا من منتديات للأغاني والشعر الغزلي والتعارف بين الجنسين أمور محرمة وخطيرة والدال عليها آثم وأثمه عظيم وجرمه كبير وعاقبته لا تحمد إلا أن يتوب ويستغفر و ينكر كل ما حصل منه فما بالك وأنت الذي تعملها وتؤسسها وتدعو إلى ترويجها لا شك أن هذا أعظم.

وقد أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئا"([8]).

فهذه أعمال منكرة فكل شخص يزاولها كان لصانعها من ذلك إثم كبير فما بالك لو زاولها في اليوم خمسون شخصًا يهرجون في الحب والغرام وتضليل الأمة فكم وكم يلحق من الإثم على من أرشدهم وهيأ لهم السبل الموصلة إلى هذه المنكرات العظيمة نسأل الله العافية والسلامة.

فننصح السائل بالتوبة إلى الله وإغلاق مثل هذه المنتديات وعدم عملها إلا أن تكون إسلامية تخدم الإسلام والمسلمين فإنه لا يدري كم يعيش ومتى أجله فموته على طاعة الله خير من موته على معصيته.

ولا تكون التوبة صادقة حتى تستوفي شروطها:

وأولها: الندم لقول النبي عليه الصلاة والسلام: "الندم توبة"([9]) والحديث حسن أخرجه أحمد وابن ماجة وغيرهما.

ثانيها: الإقلاع عن المعاصي وإنكارها.

أما وجوب ترك المعاصي والإقلاع عنها فعملا بوصية الله جل وعلا حيث قال: "قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلاَدَكُم مِّنْ إمْلاَقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلاَ تَقْرَبُواْ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلاَ تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ"([10]).

ولا شك أن منتديات كهذه تدعوا إلى الفواحش وأعمال الفسق والمجون فلا توبة لصانعها وداعيها إلا بالإقلاع عنها وتركها أو إبدالها بما هو خير له ولأمته.

وأما وجوب إنكارها فلكونها من المنكر الذي حرمه الشرع وأمرنا أن ننكره لقوله عليه الصلاة والسلام: "من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان"([11]).
ثالثها: أن يعزم على ألا يعود إليها مع ملازمة الاستغفار، ويكون العزم في القلب ويظهر أثره على الجوارح فإن انعدام العزم يفضي إلى العودة السيئة التي تنافي التوبة النصوح قال تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُكَفِّرَ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ"([12]).

والعازم الصدوق موفق متى ما صدق مع الله وفي صحيح مسلم عن عمران بن حصين: أن امرأة من جهينة أتت نبي الله صلى الله عليه وسلم وهي حُبْلى من الزنا، فقالت: يا نبي الله أصبت حدا فأقمه علي، فدعا نبي الله صلى الله عليه وسلم وليها، فقال: "أحسن إليها فإذا وضعت فأتني بها"، ففعل فأمر بها نبي الله صلى الله عليه وسلم فشكّت([13]) عليها ثيابها ثم أمر بها فرجمت ثم صلى عليها.

فقال له عمر: تصلي عليها يا نبي الله وقد زنت!، فقال: "لقد تابت توبة لو قسمت بين سبعين من أهل المدينة لوسعتهم وهل وجدت توبة أفضل من أن جادت([14]) بنفسها لله تعالى"([15]).

وفي الصحيحين عن أبي سعيد الخدري أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال: "كان فيمن كان قبلكم رجل قتل تسعة وتسعين نفسًا فسأل عن أعلم أهل الأرض فدل على راهب فأتاه، فقال: إنه قتل تسعة وتسعين نفسا فهل له من توبة؟ فقال: لا فقتله فكمل به مائة، ثم سأل عن أعلم أهل الأرض فدل على رجل عالم، فقال: إنه قتل مائة نفس فهل له من توبة؟ فقال: نعم، ومن يحول بينه وبين التوبة ! انطلق إلى أرض كذا وكذا فإن بها أناسًا يعبدون الله فاعبد الله معهم ولا ترجع إلى أرضك فإنها أرض سوء، فانطلق حتى إذا نصف الطريق؛ أتاه الموت فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب فقالت ملائكة الرحمة: جاء تائبا مقبلا بقلبه إلى الله وقالت ملائكة العذاب: إنه لم يعمل خيرا قط([16])، فأتاهم ملك في صورة آدمي فجعلوه بينهم فقال: قيسوا ما بين الأرضين فإلى أيتهما كان أدنى([17]) فهو له، فقاسوه فوجدوه أدنى إلى الأرض التي أراد؛ فقبضته ملائكة الرحمة"([18]).

وأمثلة كثيرة تبين العاقبة الحسنة للتائبين الصادقين فما أحوج المسلمين اليوم للتوبة النصوح.

نسأل الله أن يبعد عنا سبيل الغاوين وأن يصلح العباد إنه جواد كريم، وبالله التوفيق.
_______
([1]) المقطوع المقدّر.
([2]) فلَيقْطَعُنَّ أو ليشقن، وفيه إشارة إلى ما كانت الجاهلية تفعله من شق أو قطع أذن الناقة إذا ولدت خمسة أبطن وجاء الخامس ذكراً وتحريم ركوبها والحمل عليها وسائر وجوه الانتفاع بها.
([3]) ظاهراً.
([4]) باطلاً بإظهارُ النفعِ فيما فيه الضررُ.
([5]) مهرَباً ومنجًا.
(([6] سورة النساء، الآية [118 : 121].
([7]) سورة إبراهيم، الآية (22).
([8]) أخرجه مسلم في صحيحه [كتاب العلم، باب من سن سنة حسنة أو سيئة ومن دعا إلى هدى أو ضلالة (4/2060 رقم 2674)] من حديث أبي هريرة.
([9]) أخرجه ابن ماجة في سننه [كتاب الزهد، باب ذكر التوبة (2/1420 رقم 4252)] من حديث عبد الله بن مسعود.
([10]) سورة الأنعام، الآية (151).
([11]) أخرجه مسلم في صحيحه [كتاب الإيمان، باب بيان كون النهي عن المنكر من الإيمان وأن الإيمان يزيد وينقص وأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجبان (1/69 رقم 49)] من حديث أبي سعيد الخدري.
([12]) سورة التحريم, الآية (8).
([13]) لفت وجمعت أطرافها لتستر وخللت عليها بعيدان وشوك ونحوهما.
([14]) أخرجها ودفعها كما يدفع الانسان ماله يجود به.
([15]) أخرجه مسلم في صحيحه [كتاب الحدود، باب من اعترف على نفسه بالزنى (3/1324 رقم 1696)] من حديث عمران بن حصين.
([16]) أبدًا.
([17]) أقرب.
([18]) أخرجه البخاري في صحيحه [كتاب الأنبياء، باب {أم حسبت أن أصحاب الكهف والرقيم} / الكهف 9 / (2/1280 رقم 3283)]، ومسلم في صحيحه [كتاب التوبة، باب قبول توبة القاتل وإن كثر قتله (4/2118 رقم 2766)] كلاهما من حديث أبي سعيد الخدري.




اقرأ أيضا



للتواصل معنا

فايس واتساب تويتر تلغرام