الأربعاء 11 ربيع الأول 1442 هـ || الموافق 28 أكتوبر 2020 م


قائمة الأقسام   ||    دراسات شرعية موجزة حول شبهات التكفيريين    ||    عدد المشاهدات: 606

قولهم: إن الحكام كفروا لأنهم بدلوا شرع الله، ومن ذلك سنهم القوانين الوضعية وحكم الناس بها.
(ضمن دراسات شرعية موجزة حول شبهات الدواعش وتنظيم القاعدة وغيرهم من أهل التكفير)
الحلقة (11)
بقلم الدكتور صادق بن محمد البيضاني

لمناقشة هذه الشبهة أقول، وبالله التوفيق : هل نحكم على من سن القوانين الوضعية كالقوانين الديمقراطية وغيرها ودعا إلى التحاكم إليها وإلى الحكم بغير ما أنزل الله أنه كافر؟
والجواب: قد سبق أن قلت – في (سلسلة مفاهيم يجب أن تصحح، الحلقة رقم “2”) ما حاصله – إن : هذه المسألة من المسائل التي فيها الجمر تحت الرماد، وقد استعجل أقوام – لا قدم لهم راسخة في علم الكتاب والسنة – فكفروا الحكام العرب وكل من يعمل في الدولة من الجنود والموظفين، ثم استحلوا دماءهم بحجة أن عامة حكام العرب يدعون إلى التحاكم إلى الديمقراطية أو غيرها من الأنظمة الوضعية التي لا تحكم بما أنزل الله، وأنهم سنوا قوانين غير شرعية أو حكموا بما بغير ما أنزل الله، وأن من عمل معهم مثلهم في الحكم، وهذا توسع غير سليم ومفهوم خطأ، يحتاج إلى تفصيل وبيان حكم الشرع في هذه المسألة حتى لا تزل الأقدام بعد ثبوتها، فهناك من يتلقف مثل هذه الشبه ويتأثر بها لقلة علمه الشرعي ولضعف منهجه التربوي…
ولبيان هذه المسألة بالمفاهيم الشرعية الصحيحة، إليكم التفصيل التالي:
أولاً: أن من عمل بالنظام الديمقراطي أو بغيره مما هو ليس من حكم الله، مما فيه المعارضة لحكم الله أو حكم ببعضه خوفاً من بطش الغرب وضغوطهم وتساهل ذلك الحاكم في دفعها، ولم يستخف بحكم الله، ولم يحتقره، ولم يعتقد أن غيره أصلح منه، وهو يكفر بمبادئ الديمقراطية في قلبه ويقيم الصلاة، فهذا مسلم فاسق ظالم لنفسه وليس بكافر، ومعرض لغضب الله ومقته في الدنيا والآخرة، بل واقع في كبيرة من كبائر الذنوب، وهذا ما يُسمى بالكفر الأصغر غير المخرج من الملة.
ويتنزل على مثله قول الله تعالى: “ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون”.
وقوله تعالى: ” ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون”.
وقد جمعت في الحكم بين الفسق والظلم لأنه أولى من القول بالتفريق، إذ دخول الفسق في الظلم صحيح، والعكس مثله، والاختلاف في النص لفظي واصطلاحي ليس غير.
وفي هذه الحالة لزم العلماء والدعاة والعقلاء نصح ولي الأمر بالحكمة واللين بعيداً عن إحداث الفتن وبعيداً عن كشف عواره ومثالبه من على المنابر وفي المحاضرات والندوات وفي المجالس وأمام العوام.
فالحرص على جمع الكلمة خير من تفريق الصف بسبب خطأ أو منكر صدر من الوالي ؛ فإن نصيحة الجهر أمام العامة علناً يفضي إلى الخروج على الحاكم؛ ولذا فحديث أبي سعيد الخدري الذي يقول فيه كما في سنن ابن ماجه : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “أفضل الجهاد كلمة عدل عند سلطان جائر”، يؤكد نصيحة السر بقوله: “عند سلطان جائر”، ولم يقل: “عند العامة وعلى المنابر وفي الصحف ووسائل الإعلام ونحوها” لأن مثل ذلك لم نر منه سوى المفاسد والدماء وتفلت الأمن وظهور الفساد منذ القدم حتى الساعة، وعامة الناس يجهل حقوق الولاة على ضوء الشرع المطهر، ويبحث عن الحقوق التي له كمواطن، كما يجهل قواعد المصالح والمفاسد، فيثق هؤلاء العامة بديانة الخطيب أو الواعظ فيخرجون على ولي الأمر بالمظاهرات أو الانقلابات أو ما يسمى بالعصيان المدني أو الاعتصامات ونحو ذلك مما جلبه الكفار إلى بلاد المسلمين، وعمت به البلوى.
متناسين قواعد الاسلام العظمى التي قامت على الأدلة الصحيحة مثل: القاعدة الشرعية المجمع عليها: أنه ” لا يجوز إزالة الشر بما هو أشر منه؛ بل يجب درء الشر بما يزيله أو يخففه “، وكذا قاعدة ” درء الشر بشر أكبر منه لا يجوز” بإجماع المسلمين.
وذلك أن السلطان الغشوم لم يقم سلطانه إلا بالسيف ولا زال يحرسه بالسيف، فحفاظاً على سلامة الدماء والبلدان والبعد عن بطشه لزمت نصيحته في السر، وذلك للتأثير عليه، درءاً للمفاسد وجلباً للمصالح، هكذا قامت نصوص الشريعة السمحة.
ثانياً: إذا حَكَمَ به أو ببعضه اتباعاً للهوى أو لرشوة أو لعداوة بينه وبين المحكوم عليه أو لأسباب أخرى وهو يعلم أنه عاص، ويرى أن الإسلام هو الحق في جميع أحكامه ويقيم الصلاة ، فحكمه حكم السابق ولا يكفر أيضاً.
ثالثاً: إذا حكم بالنظام الديمقراطي أو دعا إلى التحاكم إليه أو إلى غيره مما يتعارض مع حكم الله أو أمر بوضع تشريعات للشعب تخالف التشريعات الإسلامية لتكون منهاجاً يسير الناس عليه، أو اعتقد أن النظام الوضعي أفضل من الإسلام أو مساو لحكم الإسلام أو أنه يجوز تبديل حكم الاسلام بغيره، استخفافاً بالحكم بما أنزل الله أو غير مستخف، أو احتقاراً له، أو أنه مخير إن شاء حكم بما أنزل الله، وإن شاء حكم بغير ما أنزل الله، فهذا كافر حتى وإن قال : إن تحكيم الشريعة أفضل.
ومثله أيضاً يكفر كفراً مخرجاً من الملة من يعتقد : ان حكم الله لا يصلح لهذا الزمان، وإنما يصلح الحكم بالقوانين الوضعية باعتبار أن هذا العصر عصر حضارة وتقدم، وأن عصر الاسلام بأحكامه لا يتوافق مع هذا العصر.
ويتنزل في هذا القسم قوله تعالى: “ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون”.
وكل ما تقدم مشروط بالعلم أما من جهل حكم الله وحكم بغيره فلا نكفره، فإن مشايخ القبائل يحكمون بأعراف وأحكام تتصادم مع الدين على جهل فلا نحكم بكفرهم حتى نعلم أنهم قد علموا حكم الله، ولا يُشترط الاستحلال في هذا الباب وإن كان شيخنا الألباني قد اشترطه، وبعض كلام ابن باز يوحي بذلك على قول له، إلا أن المشهور عن أهل العلم عدم اشتراط الاستحلال في الحكم المبدل، ومعنى ذلك أنه يكفر من باب أولى من استحل غير حكم الله أو جحد حكم الله أو كذبه.
قال الله تعالى: “أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آَمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا، وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا”.
وقال تعالى: ” فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا”.
قال ابن تيمية كما في مجموع الفتاوى (3/267): “والإنسان متى حلل الحرام المجمع عليه ، أو حرم الحلال المجمع عليه ، أو بدل الشرع المجمع عليه ، كان كافرا مرتدا باتفاق الفقهاء”اهـ
وقال ابن كثير كما في البداية والنهاية (13/139): “فمن ترك الشرع المحكم المنزل على محمد بن عبد الله خاتم الأنبياء ، وتحاكم إلى غيره من الشرائع المنسوخة كفر، فكيف بمن تحاكم إلى الياسا وقدمها عليه ؟! من فعل ذلك كفر بإجماع المسلمين”اهـ
وإن تعجب فعجب قول الخوارج الذين يكفرون بلا هوادة ويجعلون قوله تعالى: “ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون”، هو الحكم العام لكل من وقع في الكبيرة أو وقع في الكفر من غير إكراه، فيكفرون الناس والحكام وكل من يعمل في الحكومات، حيث تجمدت عقولهم عند هذا النص دونما سواه، وجعلوا قوله تعالى: “ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون” وقوله تعالى: “ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون” في حكم واحد، وهو الكفر، معطلين بقية النصوص الشرعية في هذا الباب، وقالوا : كل النصوص الثلاثة تعني  الكافر، لأن الكافر ظالم وفاسق، وهذا من الجهل والتعطيل للنصوص، فإن النجاشي لم يصح عنه أنه حكم بما أنزل الله وفقاً لنصوص الكتاب والسنة، بل حكم قومه بأحكام أقام فيها العدل حسب تمكنه ولم يتمكن من الحكم بما أنزل الله وفقاً لنصوص الكتاب والسنة رغم كفره بالنصرانية وما فيها من أحكام تتنافى مع الاسلام، وبقي حاكماً على أهل الحبشة ولم يتنازل عن السلطة باعتبار أن وجوده على هرم السلطة وكتمانه لإيمانه لإقامة العدل خير من تنازله حتى ينفع الله به، ومع ذلك صلى عليه النبي عليه الصلاة والسلام عليه لما مات حيث لم يكن هناك من يصلي عليه؛ فصلى عليه النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة؛ وخرج بالمسلمين إلى المصلى فصفهم صفوفاً، وصلى عليه، وأخبرهم بموته يوم مات، وقال: “إن أخاً لكم صالحاً من أهل الحبشة مات “ [أخرجه البخاري في صحيحه].
يقول شيخ الاسلام ابن تيمية رحمه الله في منهاج السنة النبوية (5/111): “والنَّجاشي ما كان يمكنه أن يحكم بحكم القرآن؛ فإنَّ قومه لا يقرونه على ذلك، وكثيرًا ما يتولى الرجل بين المسلمين والتتار قاضياً، بل وإماماً، وفي نفسه أمور من العدل يريد أن يعمل بها؛ فلا يمكنه ذلك. بل هناك من يمنعه ذلك، ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها… ثم قال رحمه الله : فالنجاشي وأمثاله سعداء في الجنة، وإن كانوا لم يلتزموا مع شرائع الإسلام ما لا يقدرون على التزامه؛ بل كانوا يحكمون بالأحكام التي يمكنهم الحكم به” اهـ.
وقد تولى نبي الله يوسف منصب عزيز مصر، وقال لمليكها – وهو كافر على الراجح -: “اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأرْض إنِّي حِفِيظٌ عَلِيم” فجعله وزيراً للمالية في دولة كافرة تحكم بغير ما أنزل الله، وهو نبي، فأين ذهبت عقول هؤلاء المكفرة الذين يكفرون الحاكم وجنوده ومن يعمل بالحكومات التي تحكم بغير ما أنزل الله، وهم لها منكرون.
فلذا لا بد من التفصيل كما تقدم، وهو الذي عليه أئمة الاسلام قديماً وحديثاً مع زيادة إيضاحات للقارئ الكريم.
وفق الله الجميع لطاعته وألهمهم رشده.




اقرأ أيضا



فايس واتساب تويتر تلغرام