الأربعاء 9 ربيع الآخر 1442 هـ || الموافق 25 نونبر 2020 م


قائمة الأقسام   ||    دراسات شرعية موجزة حول شبهات التكفيريين    ||    عدد المشاهدات: 840

قول التكفيريين: ترك الجهاد عين النفاق، وقد جاء في الحديث ”من مات ولم يغزُ ولم يحدث نفسه بالغزو مات على شعبة من النفاق“ ([1])
(ضمن دراسات شرعية موجزة حول شبهات الدواعش وتنظيم القاعدة وأنصار الشريعة وغيرهم من أهل التكفير)
الحلقة (12)
بقلم الدكتور: صادق بن محمد البيضاني

الجواب على هذه الشبهة:
أن الحديث يدل على أنه لا يستلزم من ترك الجهاد النفاق إذا كان الشخص يحدث نفسه بالغزو ثم مات قبل أن يجاهد، بل أجره كأجر من جاهد طالما منعه من الجهاد مانع، ومثله إذا انتفى شرط من شروط الجهاد المتقدم ذكرها في مقالات سابقة.
قال النووي عند شرح هذا الحديث: ”قال عبد الله بن المبارك: فنرى أن ذلك كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم …، وفى هذا الحديث أن من نوى فعل عبادة فمات قبل فعلها لا يتوجه عليه من الذم ما يتوجه على من مات ولم ينوها([2])اهـ
وقال ابن الأمير: ” ولا يخفى أن المراد من الحديث هنا أن من لم يغز بالفعل ولم يحدّث نفسه بالغزو مات على خصلة من خصال النفاق، فقوله: ”ولم يحدث نفسه” لا يدل على العزم  الذي معناه عقد النية على الفعل، بل معناه هنا لم يخطر بباله أن يغزو ولا حدّث به نفسه ولو ساعة من عمره ولو حدّثها به أو خطر الخروج للغزو بباله حيناً من الأحيان خرج من الاتصاف بخصلة من خصال النفاق، وهو نظير قوله صلى الله تعالى عليه وعلى وآله وسلم: ” ثم صلى ركعتين لا يحدث فيهما نفسه “([3]) أي لم يخطر بباله شيء من الأمور وحديث النفس غير العزم وعقد النية، ودل على أن من حدث نفسه بفعل طاعة ثم مات قبل فعلها أنه لا يتوجه عليه عقوبة من لم يحدث نفسه بها أصلاً([4])اهـ
وهناك تفسير آخر للحديث ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية –رحمه الله- حيث قال:
”وحينئذ؛ فقد يجتمع في الإنسان إيمان ونفاق وبعض شعب الإيمان وشعبة من شعب الكفر كما في الصحيحين عن النبي صلي الله عليه وسلم أنه قال: ”أربع من كُنَّ فيه كان منافقاً خالصاً، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا حدث كذب، وإذا ائتمن خان، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر”([5])، وفى الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: ” من مات ولم يغز ولم يحدث نفسه بالغزو مات على شعبة من النفاق“([6])اهـ
وقال رحمه الله: وفى الحديث دلالة على أنه يكون فيه بعض شعب النفاق مع ما معه من الإيمان، ومنه قوله تعالى: ”إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ([7])اهـ.
وحاصل أقوال أهل العلم في هذا الحديث تترد على ثلاثة معانٍ:
المعنى الأول: أن من لم تحدثه نفسه بالجهاد ففيه خصلة من نفاق.
والمعنى الثاني: أن خصلة النفاق ترتفع عن تارك الجهاد بمجرد أن يخطر في باله أن يجاهد وإن لم يفعل أو يعزم، وهذا قول الصنعاني كما تقدم.
الثالث: أن ذلك كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلا تعلق له بأي عصر آخر، وهذا مروي عن ابن المبارك، والأول المختار.
فلا يقال حينئذٍ إن ترك الجهاد عين النفاق بل أكثر ما يقال في هذا الباب أن من ترك الجهاد ففيه خصلة من النفاق وخصوصاً إذا توفرت شروطه وانتفت موانعه فحينها يُنكر على القاعد وفي مثله نزل قوله تعالى: ” فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلاَفَ رَسُولِ اللّهِ وَكَرِهُواْ أَن يُجَاهِدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَقَالُواْ لاَ تَنفِرُواْ فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرّاً لَّوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ“([8]).
قال الشافعي رحمه الله: فأظهر الله عز وجل لرسوله صلى الله عليه وسلم أسرارهم وخبر السماعين لهم وأتباعهم أن يفتنوا من معه بالكذب والإرجاف والتخذيل لهم فأخبر أنه كره انبعاثهم إذا كانوا على هذه النية، فكان فيها ما دل على أن الله جل ثناؤه أمر أن يمنع من عُرف بما عرفوا به من أن يغزوا مع المسلمين، لأنه لا ضرر عليهم، ثم زاد في تأكيد بيان ذلك بقوله: ”فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ“ ([9]).
وهؤلاء في الأصل هم المنافقون نفاق الكفر الاعتقادي المخرج من الملة أمثال عبد الله بن أُبي ، أما من حدث نفسه بالجهاد ومنعه مانع مما تقدم، فلا يجوز أن يقال إنه منافق أو فيه خصلة نفاق مخرجة من الملة أو أنه وقع في عين النفاق الاعتقادي الكفري الذي كان عليه المنافقون في عهد النبوة، وإنما حكمه كما في الحديث انه مات على شعبة من النفاق.
فهو مسلم لكن عنده نفاق عملي كالذي يكذب ويخون الامانة ويخلف الوعد وليس معناه انه كافر من جنس الكفار.
(((وللكلام حول شبهات التكفيريين بقية نستانفه بعد عيد الاضحى بإذن الله))).
وفق الله الجميع لطاعته، وألهمهم رشدهم.
ـــــــــــــــــــ
[1] أخرجه مسلم في صحيحه رقم (1910) من حديث أبي هريرة.
[2] شرح صحيح مسلم للنووي(13/56).
[3] متفق عليه من حديث عثمان.
[4] سبل السلام للصنعاني (1/199).
[5] متفق عليه من حديث عبدالله بن عمرو.
[6] مجموع الفتاوى (7/520)، والحديث أخرجه مسلم في صحيحه.
[7] مجموع الفتاوى لابن تيمية (7/556)، الآية رقم (15)، من سورة الحجرات.
[8] سورة التوبة ، الآية رقم (81).
[9] السنن والآثار البيهقي (9/36) ، والآية رقم (81) من سورة التوبة




اقرأ أيضا



فايس واتساب تويتر تلغرام