الخميس 13 صفر 1442 هـ || الموافق 1 أكتوبر 2020 م


قائمة الأقسام   ||    دراسات شرعية موجزة حول شبهات التكفيريين    ||    عدد المشاهدات: 574

قول الخوارج ” أمريكا بحربها على المسلمين جعلها دولةً حربية فكيف نقول : إنها معاهدة ، وقد صرح رئيسها([1]) أن ما يقوم به هي الحرب الصليبية”
 (ضمن دراسات شرعية موجزة حول شبهات الدواعش وتنظيم القاعدة وغيرهم من أهل التكفير)

الحلقة (6)
 بقلم الدكتور : صادق بن محمد البيضاني

الجواب على هذه الشبهة : أن البلاد المعاهدة مَنْ بيننا وبينها عهدٌ، مثل ألا تحاربنا ولا نحاربها ونحوها من العهود والمواثيق المتفق عليها بين الطرفين المتعاهدين، فإذا شرع الناكث للعهد في حرب المسلمين أو قصد بلادهم للحرب فقد وجب قتاله حال الاستطاعة، وهذا ما يسميه الفقهاء بجهاد الدفع، مع الأخذ في الاعتبار بالقاعدة الشرعية المجمع عليها : أنه لا يجوز إزالة الشر بما هو أشر منه، بل يجب درء الشر بما يزيله أو يخففه.
 قال شيخ الإسلام ” وهذا يجب بحسب الإمكان على كل أحد بنفسه وماله، مع القلة والكثرة والمشي والركوب كما كان المسلمون لما قصدهم العدو عام الخندق لم يأذن الله في تركه لأحد كما أذن في ترك الجهاد ابتداء لطلب العدو الذي قسَّمهم فيه إلى قاعد وخارج، بل ذم الذين يستأذنون النبي عليه الصلاة والسلام ” يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِن يُرِيدُونَ إِلا فِرَاراً ([2])، فهذا دفع عن الدين والحرمة والأنفس وهو قتال اضطرار”([3]).
 أما إذا كان الدفع بما هو أشر منه فلا يصح جهاد الدفع، وعلى المسلم درء المفسدة بما لا تكثر مفسدته، لأن ” الواجب تحصيل المصالح وتكميلها وتعطيل المفاسد وتقليلها، فإذا تعارضت كان تحصيل أعظم المصلحتين بتفويت أدناهما ودفع أعظم المفسدتين مع احتمال أدناهما هو المشروع”([4])، ”ولهذا جاءت الشريعة عند تعارض المصالح والمفاسد بتحصيل أعظم المصلحتين بتفويت أدناهما ، وباحتمال أدنى المفسدتين لدفع أعلاهما فمتى لم يندفع الفساد الكبير …. إلا بما ذكر من احتمال المفسدة القليلة كان ذلك هو الواجب شرعا ، وإذا تعين ذلك على هذا الرجل فليس له ترك ذلك إلا مع ضرر أوجب التزامه أو مزاحمة ما هو أوجب من ذلك”([5]).
 فإنه لما دخل جيش التتار إلى الشام وغزا دمشق لم يجد أمامه من يدافع عن البلاد بإبعاد هذا الجيش بسبب ضعف المسلمين وتفرقهم وابتعادهم عن دينهم الحنيف وعقيدتهم السمحة إلى درجة أنهم كانوا يستغيثون بالموتى من دون الله.
 ولو عدنا إلى السيرة النبوية وتأملناها تأملاً صحيحاً لوجدنا أن “النبي صلى الله عليه وسلم لما كان بمكة مستضعفاً هو وأصحابه عاجزين عن الجهاد أمرهم الله بكف أيديهم والصبر على أذى المشركين، فلما هاجروا إلى المدينة وصارت لهم دار عز ومنعة أمرهم بالجهاد وبالكف عمن سالمهم وكف يده عنهم، لأنه لو أمرهم إذ ذاك بإقامة الحدود على كل كافر ومنافق لنفر عن الإسلام أكثر العرب، إذ رأوا أن بعض من دخل فيه يقتل، وفي مثل هذه الحال نزل قوله تعالى: ”ولا تُطِعْ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلاً ” ([6]).
 وهذه السورة نزلت بالمدينة بعد الخندق فأمره الله في تلك الحال أن يترك أذى الكافرين والمنافقين له، فلا يكافئهم عليه؛ لما يتولد في مكافأتهم من الفتنة، ولم يزل الأمر كذلك حتى فتحت مكة ودخلت العرب في دين الله قاطبة، ثم أخذ النبي عليه الصلاة والسلام في غزو الروم وأنزل الله تبارك وتعالى سورة براءة وكمَّل شرائع الدين من الجهاد والحج والأمر بالمعروف فكان كمال الدين حين نزل قوله تعالى ”الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ“([7]) قبل الوفاة بأقل من ثلاثة أشه، ولما أنزل براءة أمره بنبذ العهود التي كانت للمشركين وقال فيها: “يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدْ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ“ ([8])، وهذه الآية ناسخة لقوله تعالى ”وَلا تُطِعْ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ” ([9]) وذلك أنه لم يبق حينئذ للمنافق من يعينه لو أقيم عليه الحد، ولم يبق  حول المدينة من الكفار من يتحدث بأن محمداً صلى الله عليه وسلم يقتل أصحابه، فأمره الله بجهادهم والإغلاظ عليهم، وقد ذكر أهل العلم أن آية الأحزاب منسوخة بهذه الآية ونحوها، وقال في الأحزاب: “لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلا قليلا. مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا”([10]) فعلم أنهم كانوا  يفعلون أشياء إذ ذاك إن لم ينتهوا عنها قتلوا عليها في المستقبل، لما أعز الله دينه ونصر رسوله، فحيث ما كان للمنافق ظهور يخاف من إقامة الحد عليه فتنة أكبر من بقائه عملنا بآية الأحزاب، كما أنه حيث عجزنا عن جهاد الكفار عملنا بآية الكف عنهم والصفح، وحيث ما حصل القوة والعز خوطبنا بقوله: ”جَاهِدْ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ “([11]).

ولنتأمل في صلح الحديبية – الذي كان بين المسلمين والمشركين – كيف تحمله رسول الله عليه الصلاة والسلام وأصحابه، والذي انتهى بالظفر لأهل الإسلام أهل العلم والحلم والحكمة، فإنه لما كاتب سهيل بن عمرو رسول الله عليه الصلاة والسلام على الصلح وكان من شروط سهيل على رسول الله [أنه من أتى محمداً من قريش بغير إذن وليه رده عليهم] فبينما هم كذلك إذ أقبل أبو جندل رضي الله عنه قادماً من قريش لينضم إلى رسول الله وأصحابه ” فلما رأى سهيل أبا جندل قام إليه فضرب وجهه وأخذ بتلابيبه ثم قال: يا محمد، قد لجت القضية بيني وبينك قبل أن يأتيك هذا قال: صدقت، فجعل ينتهره بتلابيبه ويجره ليرده إلى قريش، وجعل أبو جندل يصرخ بأعلى صوته: يا معشر المسلمين، أُرَدُّ إلى المشركين يفتنوني في ديني؟ فزاد الناس ذلك إلى ما بهم ، فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم: يا أبا جندل، اصبر واحتسب؛ فإن الله جاعل لك ولمن معك من المستضعفين فرجاً ومخرجاً، إنا قد عقدنا بيننا وبين القوم صلحاً وأعطيناهم على ذلك وأعطونا عهد الله ، وإنا لا نغدر بهم ([12]).

ولذلك لا بد أولاً من تربية المسلمين تربية صحيحة قبل محاربة العدو على أن تكون التربية في كافة النواحي العقدية والشرعية والسلوكية، فإذا صحت التربية الإيمانية وعرفوا قدر العلماء واخذوا منهم الفتيا والمشورة وعرفوا للعلم قدره استطعنا أن نوحد الصفوف وأن نحارب عدونا ولو كان سلاحنا دونهم بكثير، فمما يؤسف له أن كثيراً من المسلمين اليوم يطالبون بنصر الله ويريدون الظفر على أعداء الله وهم على هذه الحال المزرية، مع أن الله اشترط للنصر الإيمان الصادق، فقال جل شأنه : ”وكان حقاً علينا نصر المؤمنين“([13]).

لكن: هل أمريكا اليوم دولة معاهدة أو محاربة؟

والجواب: هي دولة معاهدة من جهة لعموم الدول الإسلامية، وفي حكم المحارب للدول الإسلامية من جهات أخرى، بطرق كثيرة لا تخفى على العقلاء من العلماء والسياسيين، ومن أخطر حروبها على البلاد الإسلامية دعم الجهات العميلة من الداخل لبث الفتن وسفك الدماء وإقلاق الأمن والسكينة وتسهيل خروج الرعية على حكامهم لا لأجل الحقوق والحرية كما تزعم أمريكا، بل لأجل أن يتقاتل المسلمون في أوطانهم، وقد نجحت في أماكن كثيرة من خلال بعض الرعاع وضعاف النفوس والمندسين، فقد قتل من المسلمين في ليبيا واليمن وسوريا والعراق مئات الألوف وشرد ملايين، ولا زالت الدماء تسفك يومياً حتى تاريخ كتابة هذه الأحرف بسبب الديمقراطية وفتن الثورات والانقلابات ، ناهيكم عما يحصل في الدول العربية والإسلامية الأخرى، وكل هذا بسبب مظاهرة أمريكا لأصحاب الفتن، وما يحصل اليوم في بلاد غزة من مظاهرة أمريكا لليهود سوى مثال حي لقتل أبناء فلسطين وتهجيرهم باسم دفاع اليهود عن أنفسهم، وكذا قل في الأقليات المسلمة في الصين الشرقية وبورما وغيرها من بلاد الله المعمورة، وأمثلة كثيرة تبين مظاهرة الغرب وامريكا لكل عدو حاقد على الإسلام والمسلمين.

والغريب أنها تتدخل بين الحين والآخر كوسيط مراوغ، بقصد نفخ الفتنة باسم التسوية السياسية والمصالحة الوطنية والحقوق والحريات، والسلام وإحلال الأمن في المنطقة، مع مظاهرتها لأعداء الدين في الباطن والظاهر معاً، وهذه كلها من أنواع الحروب الباردة التي يجهلها كثير من أبناء المسلمين، لكن لا يعني ذلك أن نعلن الجهاد ضدها علناً ونحزب مجموعة من الشباب لقتالها لأننا ضعفاء، ونحتاج إلى زمن كافٍ في الإعداد والتربية ولأن التعجل سيصير ضرره علينا كمسلمين، وهذا ما نحصده اليوم بسبب تنظيم داعش وتنظيم القاعدة وغيرهما، فالجهل قد عمَّ صفوف المسلمين لغياب العلم الشرعي الصحيح وبعد الناس عن كبار العلماء، ولذا لم تتوفر شروط الجهاد الأربعة التي تقدمت في المقال السابق الذي بعنوان : ” هل ” الجهاد في هذا العصر فرض عين على كل مسلم؟”[(14)] بسبب فقدان التربية الصحيحة والعلم الصحيح، فإن هؤلاء المستعجلين لمّا فقدوا التربية الصحيحة والعلم  الصحيح صاروا مجرد أحزاب وعصابات متناحرة مختلفة، في الوقت نفسه تقاتل العدو وتضلل كل من يناصحها ويخالفها من العلماء وغيرهم، وربما كفرتهم، وهذا ما جعلنا أذلاء ضعفاء أمام عدونا، حيث طلبنا الظفر قبل مقوماته.

قال الشيخ محمد أمان الجامي ـ رحمه الله ـ: ”،وإذا كنّا نُحس أنّ بعضَ الكفارِ في حكم الحربيين، ليس بحربيٍّ فعلاً، ولكنّه في حكم الحربيّ لأنه ظهير للكافر الحربيّ الذي بيننا وبينه الحرب ،ظهيراً له ،ومعيناً له، إن كنَا قادرين على محاربتِه ،حاربناه وإلا نأخذ في الاستعداد (وأعدوا لهم)، أما كوننا ندخل معهم في الحرب ،ونحن غير معدين وغير مستعدين للقتال معهم ،هذه ليست بشجاعة هذا تهور،لابد من الاستعداد من قبْل، قبْل الحرب معهم، وهذا موقف المسلمين اليوم مع الدول الكبرى كما يسمّون وهم في “إما حربيون أو في حكم الحربيين“، ولكنّ المسلمين عاجزون من مقاومتهم ومن محاربتهم ،لأنهم لم يعدّوا أنفسهم بعد، فعلى المسلمين أنّ يعدّوا أنفسهم بمصانع حربية كمصانعهم، حتى يكونوا قوةً قادرةً على حربِهم، وأما نقفُ عند مصانع الكبريت ومصانع المكرونه ، ما عندنا مصانع حربية عاجزون ـ عجز القادرين على التمام ـ لسنا بعاجزين مادياً، ولا من حيث الرجال، ولكنْ يسمّى عجزنا عجز القادرين على التمامِ .

ولم أرَ في عيوب الناس عيباً     كعجز القادرين على التمامِ

هذا هو عجزنا، قبْل أنْ نعدَ أنفسنا فلنقف عند حدنا وإلا يستبيحون بيضتنا، ولكنْ نُعد أنفسنا إعدادًا من جديد”([15])اهـ.
قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين: ”ولهذا لو قال لنا قائل الآن لماذا لا نحارب أمريكا وروسيا وفرنسا وانجلترا ؟! لماذا؟!، [الجواب]: لعدم القدرة.
الأسلحة التي قد ذهب عصرها عندهم، هي التي في أيدينا، وهي عند أسلحتهم بمنزلة سكاكين الموقد عند الصواريخ، ما تفيد شيئاً، فكيف يمكن أن نقاتل هؤلاء؟!
ولهذا أقول: إنه من الحمق أن يقول قائل إنه يجب علينا أن نقاتل أمريكا وفرنسا وانجلترا وروسيا!، كيف نقاتل؟
هذا تأباه حكمة الله عز وجل، ويأباه شرعه، لكن الواجب علينا أن نفعل ما أمر الله به عز وجل: ”وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة”([16]).
هذا الواجب علينا أن نعد لهم ما استطعنا من قوة، وأهم قوة نعدها هو الإيمان والتقوى”([17])اهـ.
 فلندارِ عدونا في العصر الحديث في حدود الشرع لندفع ضرره، أو على الأقل أخف أضراره حتى نبني جيلاً محمدياً صحيحاً يستطيع أن يتغلب على العدو الصليبي والصهيوني، أما أن نقاتله علناً مع ضعف وهو يقاتلنا علناً وفي الخفاء وبطرق ملتوية استراتيجياً واقتصادياً وإعلامياً، ويضغط على حكامنا بسبب طيشان هؤلاء الشباب حتى يضعفنا ضعفاً فوق ضعفنا، ليذلنا وينتهك حرماتنا وأراضينا ويقتل شبابنا ويسفه حضارتنا تحت مسمى ” محاربة الإرهاب ” فطامة طامة يا أبناء الإسلام.
وفق الله الجميع لطاعته وألهمهم رشدهم.
ــــــــــــــــــــــــــ
[1] يقصدون به “جورج دبليو بوش”.
[2] سورة الأحزاب ، الآية رقم (13).
[3] السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية لابن تيمية (159).
[4] مجموع الفتاوى لابن تيمية(28284).
[5] الفتاوى الكبرى لابن تيمية (4287).
[6] سورة الأحزاب ، الآية رقم (48).
[7] سورة المائدة ، الآية رقم (3).
[8] سورة التوبة، الآية رقم(73).
[9] سورة الأحزاب، الآية رقم (48).
[10] سورة الأحزاب الآيتان رقم (60،61).
[11] الصارم المسلول لابن تيمية (3/681-683).
[12] انظر : سيرة ابن هشام (4/286).
[13] سورة الروم ، الآية رقم (47).
[14] وانظر كتابي ” الدول الإسلامية وشبهات المخالفين .. السعودية أنموذجا (ص40 وما بعدها)، الطبعة الأولى 1435هـ، دار اللؤلؤة، بيروت “، وكذا كتابي ” الجهاد في الشريعة الإسلامية، الطبعة الثالثة 1435هـ، دار اللؤلؤة، بيروت.
[15] محمد أمان الجامي، شرح ثلاثة الأصول، شريط صوتي.
[16] سورة الأنفال، الآية: 60.
[17] ابن عثيمين، شريط صوتي، ضمن سلسلة شرح كتاب بلوغ المرام، كتاب الجهاد، الوجه الأول.




اقرأ أيضا



فايس واتساب تويتر تلغرام