الأربعاء 26 ذو القعدة 1447 هـ || الموافق 13 ماي 2026 م


قائمة الأقسام   ||    مقالات متنوعة    ||    عدد المشاهدات: 432

حين يصبح الصمت جريمة

بقلم الدكتور صادق بن محمد البيضاني


هناك مواقف لا يكون الصمت فيها حكمة، بل يكون خيانة.

تلك اللحظة التي ترى فيها منكرا يجاهر به، وحرمة تنتهك، وحدود الله تتعدى، ثم تلوذ بالصمت، أو ترفع حاجبيك مستنكرا على من تجرأ وأنكر، فتقول: ليس هذا وقته.

عبارة سمعتها منذ ثلاثين سنة، ولا زالت تتكرر حتى اللحظة.

قبل دقائق قرأت تغريدة للأستاذ إسماعيل الأديب، يرد فيها على هذا الطابور الذي يردد: ليس هذا وقته.

عجبا، كيف صار وقت المنكر مهيأ للفعل، ووقت الإنكار مؤجلا إلى إشعار آخر؟

أي عقل يرضى بأن يترك الباطل يمرح، ويمنع الحق من أن يتكلم؟

لقد رسم القرآن الموقف بوضوح، فقال سبحانه: (كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر).

فلم يجعل الخيرية صفة مطلقة للأمة إلا إذا قامت بالأمرين معا: أمر بالمعروف، ونهي عن المنكر.

أما السكوت حين يجب الكلام، فهو مخالفة صريحة لأمر الله، وهو الذي لعن الذين كفروا من بني إسرائيل، لا لشيء إلا لأنهم تركوا النهي عن المنكر عند الحاجة إلى إنكاره، فقال سبحانه: (لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى ابن مريم، ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون، كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون).

وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان) أخرجه مسلم في صحيحه.

أرأيت؟ حتى أضعف الإيمان لا يعفيك من الإنكار بالقلب، فكيف باللسان وأنت قادر؟

لكن المصيبة الكبرى ان بعض الناس لا يكتفون بالصمت، بل يثبطون غيرهم عن الإنكار، وكأنهم يقولون: دع الباطل في راحته، ولا تزعج المنكرين بنصحك.

وقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم من هذا التهاون حين ضرب مثلا بأهل السفينة، فقال كما في صحيح البخاري: (مثل القائم على حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا على سفينة، فأصاب بعضهم أعلاها وأصاب بعضهم أسفلها، فكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم فقالوا: لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقا ولم نؤذ من فوقنا، فإن تركوهم وما أرادوا هلكوا جميعا، وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعا).

ان سكوتك يوم وجب الكلام، كتركك المريض ينزف أمامك لأنك لا تريد إحراجه.

والمنكر إذا سكتت عنه نما كالنار في الهشيم، حتى يأتي يوم تحترق فيه أنت وأهلك ومجتمعك.

وهذا ما شاهدته بنفسي في حياتي، فقبل ثلاثين سنة، ونحن صغار، كان من يقول لنا ونحن ندرس بالمعهد: ليس الآن وقت إنكار هذا، ثم تنازل بالتدريج عن كثير من أحكام الله، ومعه من تأثر به من زملائي، حتى صار يطعن في الدين هو ومن تبعه بلباس الدين، وانقلب من كنا نراهم قدوة من هذا الطابور إلى دعاة للتغريب، فاللهم سلم سلم.

فلا تكن من الذين سكتوا حين وجب عليهم الكلام، ثم تكلموا حين وجب عليهم السكوت.

واجعل شعارك ما قاله النبي صلى الله عليه وسلم كما في صحيح البخاري: (انصر أخاك ظالما أو مظلوما)، قالوا: يا رسول الله، ننصره إذا كان مظلوما، فكيف ننصره إذا كان ظالما؟ قال: تحجزه أو تمنعه من الظلم، فإن ذلك نصره).

والله ما هزمت أمة إلا حين صارت ترى المنكر وتقول: ليس الآن وقت الإنكار، حتى صار الآن الدائم وقتا للفساد، وغدا المؤجل وقتا للحق، فضاع الحق، وانتشر الفساد أكثر، وهذا ما نعانيه اليوم بسبب ترك الإنكار بحجة ليس وقته.




اقرأ أيضا



للتواصل معنا

فايس واتساب تويتر تلغرام