السلفية بين الحقيقة والتحزب
بقلم الدكتور صادق بن محمد البيضاني
السلفية وصف قديم جدا، نسبة للسلف الصالح، وهم الصحابة وغيرهم من أهل القرون المفضلة الثلاثة، ويطلق عليهم أيضا أهل السنة والجماعة، لتمسكهم بالكتاب والسنة واقتدائهم بهدي النبي صلى الله عليه وسلم من غير تحزب أو ابتداع، وكل من ادعى أنه سلفي أو من أهل السنة وخالف ما كان عليه النبي وأصحابه في العقيدة والمنهج والسلوك، فهو مجرد دعي.
فالسلفية ليست جماعة جديدة، ولا حزبا سياسيا، ولا جماعة تنظيمية، ولا لافتة حزبية ترفع اليوم وتطوى غدا.
إنما هي العودة الصادقة إلى الأصل: إلى ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه الكرام ومن تبعهم بإحسان.
قال الله تعالى: (والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه).
السلفية بهذا المعنى هي الإسلام الصافي، وهي المنهج الذي ارتضاه الله لعباده، لا تسمية محدثة ولا دعوة مبتدعة.
لقد اختلط اليوم الأمر على بعض الناس حين جعلوا السلفية شعارا يرفع، أو بطاقة انتماء توزع، أو حدا فاصلا يوالي ويعادي عليه. حتى صار بعضهم يبدع من لم يسم نفسه سلفيا، وإن كان في حقيقة منهجه موافقا للكتاب والسنة.
وهذا غلط ظاهر، فإن العبرة ليست بالمسميات، وإنما بالحقائق.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى (20/ 164): (وليس لأحد أن ينصب للأمة شخصا يدعو إلى طريقته، ويوالي ويعادي عليها غير النبي صلى الله عليه وسلم، ولا ينصب لهم كلاما يوالي عليه ويعادي غير كلام الله ورسوله وما اجتمعت عليه الأمة، بل هذا من فعل أهل البدع الذين ينصبون لهم شخصا أو كلاما يفرقون به بين الأمة، يوالون به على ذلك الكلام أو تلك النسبة ويعادون).
من الحق أن يقال: ان هناك فرقا بين السلفية كمنهج رباني أصيل، وبين التحزب باسم السلفية الذي وقع فيه بعض المنتسبين إليها.
فالسلفية منهجها: اتباع الدليل حيث كان، والحرص على الجماعة ونبذ الفرقة.
أما التحزب باسمها فيجر إلى التنابز بالألقاب، والتبديع بغير حق، والولاء والبراء على الأسماء لا على الحقائق، وهذا ما نعاني منه اليوم من بعض إخواننا.
السلفي ليس من رفع شعارا أو انتسب اسما، وإنما هو من وافق عقيدة السلف الصالح في التوحيد والإيمان والاتباع.
قال الإمام الأوزاعي كما في الشريعة للآجري (124): (عليك بآثار من سلف وإن رفضك الناس، وإياك وآراء الرجال وإن زخرفوه لك بالقول).
فمن وافق الكتاب والسنة بفهم السلف فهو السلفي حقا، وإن لم يسم نفسه بذلك، ومن خالفهم فليس منهم وإن أكثر من الادعاء.
ثم المنهج السلفي يقوم على أصول كثيرة أهمها أربعة أصول كبرى، من خرج عنها أو عن بعضها، ولو واحدة، فقد خرج عن دائرة السنة، وهي:
الأول: الاعتصام بالكتاب والسنة وجعلهما المرجع الأعلى في الاعتقاد والعمل.
الثاني: فهم النصوص على ما فهمه السلف الصالح من الصحابة والتابعين، لا على فهم المبتدعة.
الثالث: الالتزام بالتوحيد وترك البدع، وعدم إدخال ما لم يشرعه الله في الدين.
الرابع: الاجتماع على الحق ونبذ التحزب والتعصب للأشخاص أو الجماعات.
والحاصل: أن السلفية ليست حزبا ولا تنظيما، بل هي الإسلام الصافي كما أنزل، كما لا يجوز أن تكون السلفية وسيلة لتبديع المسلمين أو التفريق بينهم لمجرد الاسم، لأن العبرة بالاتباع لا بالانتساب، وبالمنهج لا بالشعار.
فمن رفع السلفية شعارا للتنازع والخصام فقد خالف جوهرها، ومن جعلها منهجا للاتباع والاعتصام بالكتاب والسنة فقد أصاب الحق، وهي باقية ما بقي الإسلام، أما الأسماء الحزبية فهي إلى زوال، وصدق الله إذ يقول: (فماذا بعد الحق إلا الضلال).