اترك الغيبة، وقل: أستغفر الله
قبل أن تتكلم في عرض أخيك، تمهل، وتأمل، وتذكر أن الله يسمع، والملائكة تكتب.
تذكر أن الكلمة إذا خرجت من فمك، لا تموت، بل تبعث معك يوم القيامة، شاهدة عليك لا لك.
فأي قلب هذا الذي يتلذذ بتمزيق لحم أخيه وهو غائب؟ وأي لسان هذا الذي ينزف سهاما من خلف الستار، ولا يطرف له جفن؟ وأي دين هذا الذي يجعلنا نصلي ثم نأكل لحوم المصلين؟
لقد شبه الله الغيبة بأبشع صورة يمكن أن يتصورها بشر فقال سبحانه: أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا؟ فكرهتموه.
والله، لو قدم إليك لحم أخيك ميتا في صحن من ذهب،
لاشمأزت نفسك، وغص حلقك، ووليت وجهك باكيا، لكنك تفعله كل يوم، تفعله وأنت تضحك، تفعله وأنت تمزح، وتفعله وأنت تحسن الظن بنفسك!
تبا لكلمة خرجت لتميت قلبا، وتسفك عرضا، وتغضب ربا، وتبني لك نارا تتلظى على كل حرف منها.
يا من تغتاب الناس باسم النصح، أو النقد، أو النكتة، أو التنفيس، أما خشيت أن تقوم يوم القيامة مفلسا؟ تأتي بصلاة وصيام وزكاة، ولكن تؤخذ حسناتك، توزع على من ذكرتهم بما يكرهونه، ثم تسحب إلى النار وأنت مذهول!
لا تكن عدوا لأخيك في ظهر الغيب، فإنه لا يدافع عن نفسه، ولا يسمعك، ولا يعلم أنك في مجلس تنهش لحمه، وقد يكون أقرب إلى الله منك.
قف على باب التوبة وابك على تلك المجالس التي كنت فيها سيافا تقطع الأعراض، وتوزع العيوب، وتلوك سمعة فلان، وشرف علان، وقلب فلانة.
هلا قلت خيرا أو سكت؟ هلا أطفأت لهيب الغيبة بذكر الله بدل ذكر الناس؟
اجعلها وصيتك من الآن: لا غيبة بعد اليوم، ولا مجالس تخوض في الأعراض، ولا ضحكات على عيوب الآخرين.
قلها بلسان ذاكر، وقلب نقي، وصدر سليم، وعين دامعة، تخشى ربها، وتستحي من لقاء خالقها.
اللهم إنا نستغفرك مما قلنا، ومما سمعنا، ومما ضحكنا به ونحن نخوض في عيوب عبادك، اللهم طهر ألسنتنا من الغيبة، وقلوبنا من الحقد، وأعمالنا من الرياء، ووفقنا لأحسن الأخلاق، اللهم اجعلنا نحب لهم ما نحب لأنفسنا،
ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا.
الدكتور صادق بن محمد البيضاني