اتق الله حيثما كنت
كلمات قالها النبي صلى الله عليه وسلم، لكنها ليست كأي كلمات، إنها وصية العمر، ومفتاح النجاة، وزاد الطريق الطويل.
اتق الله: في السر قبل العلن، في بيتك، في عملك، في غرفتك المظلمة حيث لا يراك أحد، إلا من لا تخفى عليه خافية.
اتق الله: في همستك، ونظرتك، وخطوتك، ولحظات خلوتك، فإن الله لا تُغلق دونه أبواب، ولا يحجبه جدار، ولا يغيب عنه سر (ألم يعلم بأن الله يرى؟).
يا من أذنبت، ثم ضحكت، ثم نسيت، أما علمت أن الله لا ينام؟، وأن الملائكة يكتبون عليك كل همسة ونظرة؟ (ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد).
اتق الله حيثما كنت، فقد تكون وحدك في أرض غريبة، لا يعرفك فيها أحد، لكن الله يراك.
إن التقوى ليست ادعاء على المنابر، ولا كلاما يُزيّن المجالس، إنها خشية في القلب، وصدق في العمل، ونور في الطريق.
بعضهم يقول: قلبي طيب، ولكن القلب الطيب لا يجرؤ على معصية من أحسن إليه!
فالتقوى ليست شعارا يرفع، بل حياة تُعاش، أن تخشى الله كأنك تراه، وأن تحبّه أكثر من حبك لنفسك، وأن تجعل بينك وبين غضبه وقاية، في كل نفس، وفي كل لحظة، وفي كل خفية لا يراها الناس.
التقوى أن ترفض المال الحرام وإن جاءك سهلا،
وأن تغض بصرك وإن اشتدت شهوتك، وأن تكتم الغيبة وإن فتح لك بابها ليمتحنك، وأن تصبر على البلاء وأنت تعلم أن الله مع الصابرين.
قال الله تعالى: (ومن يتق الله يجعل له مخرجا، ويرزقه من حيث لا يحتسب)
فهل رأيت وعدا أعظم من هذا؟
مخرج من الكرب، ورزق من الغيب، وبركة في العمر، وطمأنينة لا يعرفها من باع الله لهواه.
كم من مهموم شرح الله صدره بالتقوى، وكم من خائف أمّنه الله بها، وكم من مذنب غفر الله له لأنه تاب وعاد بقلب وجل خائف.
والله إنك إن اتقيت ربك، أحبك أهل السماء، وبارك الله لك في أرضك، وسكنت الطمأنينة قلبك، ولو كنت في فقر، ولو كنت في مرض، ولو كنت وحيدا لا يذكرك أحد.
فيا عبد الله، إن زلت قدمك فارجع، وإن ضعفت نفسك فاستعن، وإن أبكوك الناس فقل: حسبي الله.
اللهم اجعلني من المتقين، الذين إذا ذُكروا بك خافوا، وإذا خلو بك خضعوا، وإذا وقفوا بين يديك ارتجفوا، وإذا عصوك استغفروك، فغفرت لهم.
الدكتور صادق بن محمد البيضاني