النفس الأمارة بالسوء، عدوك الأول
ضمن سلسلة مواعظ من القلب (حلقة رقم 31)
بقلم الدكتور صادق بن محمد البيضاني
هناك عدو لدى الإنسان لا ينام، هو أخطر من العدو الشيطاني، إنها نفسك الأمارة بالسوء.
قال الله تعالى على لسان الصديق يوسف عليه السلام:
(وما أبرئ نفسي، إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي).
لو لم يكن في النفس البشرية شر، لما قال يوسف، النبي الكريم، الطاهر النقي، هذا الكلام، ولا يعني ذلك عدم عصمته، فهو معصوم، وإنما قال ذلك لبيان خطر النفس الأمارة بالسوء، وقيل: إن القائل امرأة العزيز.
فالنفس تأمرك بالهوى، وتجرك إلى المعصية، وتجمل لك القبيح، وتهون عليك الكبيرة.
النفس الأمارة لا تتركك كي ترتاح، فإذا أردت الصلاة، قالت لك: بعد قليل، وإذا هممت بالتوبة، قالت لك: غدًا، بقي معك وقت.
وإذا بك تسوف حتى تلقى الله خالي القلب، خاسر الصفقة.
إذا كنت تريد أن ترى كيف تفعل النفس بأصحابها؟ فانظر إلى إبليس، لما اعتمد على نفسه، ولم يسجد: كفر واستكبر وهلك.
وانظر إلى آدم وحواء، لما زلا، لم يتبعا هوى نفسيهما، بل تابا وقالا: (ربنا ظلمنا أنفسنا)، فكانت النتيجة: التوبة عليهما.
إلى متى ستترك الصلاة؟
وإلى متى ستسهر على الحرام، يا من خالطت المنكر وقلت: قلبي طيب.
أي طيب في نفس تغرق في الدنايا، وتفر من الطاعات؟
وأي صفاء في عين لا تبكي لله، ولا تغض عما حرم الله؟
النفس الأمارة بالسوء تحب الشهوات، وتكره السجود،
تأنس بالمحرم، وتنفر من القرآن، وتأمر بالكسل، وتزهدك في الطاعات،
فهل جعلتها قائدًا لك في دربك إلى الله؟
تذكر: أن جهاد النفس أعظم من جهاد العدو، لأن جهاد العدو لن يتم حتى تغلب نفسك وتكسرها لكي تذهب لجهاد العدو.
قال بعض السلف: (جهاد النفس أربع: أن تجاهدها على تعلم الهدى، والعمل به، والدعوة إليه، والصبر عليه).
وإن لم تجاهدها، غلبتك، وإن غلبتك، سحبتك إلى النار وأنت تبكي!
النفس كالدابة الجموح، إن لم تقيّدها بلجام التقوى، نفرت بك، وإن لم تهذبها بالطاعة والخشية من الله، أسقطتك في الهاوية.
فحاسبها قبل أن تحاسب،
واعلم أن أخطر من حولك نفسك التي بين جنبيك!
لا تبرر ذنوبك، ولا تحسن الظن بنفسك كثيرا، بل خف منها، وقل كما قال الصالحون:
اللهم لا تكلني إلى نفسي طرفة عين، فإنك إن تكلني إلى نفسي، تكلني إلى ضعف، وعورة، وذنب.
وقد كان من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم كما ثبت في سنن أبي داود وغيره: (اللهم لا تكلني إلى نفسي طرفة عين، وأصلح لي شأني كله، لا إله إلا أنت).
فمن قاد نفسه إلى الله، قادته إلى الجنة، ومن أطاعها في الهوى، ألقت به في النار.
اللهم ارزقنا نفسا مطمئنة، تزكو بذكرك، وتخشع لك، وتفر إليك، ولا تجعلنا من أهل النفوس الأمارة بالسوء، اللهم طهر قلوبنا، وزك نفوسنا، واغسل ذنوبنا، قبل أن نغسل في ثيابنا، وتطوى صفحات أعمالنا، يا رب.