إن العين تزني وزناها النظر
ضمن سلسلة مواعظ من القلب (54)
بقلم الدكتور صادق بن محمد البيضاني
كم من قلب ضاع في نظرات محرمة فمات قلبه عن خشية الله، وكم من روح غفلت عن ذكر خالقها، تنساب بين الصور والألوان والأجساد، فتنسى أن ما عند الله وحده باق، وما عند الناس فان، وأن الدنيا ليست دارا للمتعة الخالصة، بل دار اختبار وابتلاء.
الله وصف المؤمنين بأنهم يغضون أبصارهم ويحصنون فروجهم فقال عز وجل: (قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم).
كم من قلب كان أزهى قبل النظرة، فتاه بعدها بين الرغبة والخيال، حتى أصبح سجنا لنفسه، لا يرى الحق، ولا يتذوق طعم الطاعة.
النظر المحرم سهم قاتل من سهام إبليس، يغرس الشهوة في الصدور، ويشعل نار الفساد، فتبدأ رحلة الانحراف بخطوة واحدة، ثم تتوالى الخطوات: الاشتياق، الخيال، التعلق، التمادي في الرغبة، حتى يأسرك قلبك ويأخذك إلى العمى الروحي.
قال النبي صلى الله عليه وسلم كما في الصحيحين: (إن العين تزني وزناها النظر).
الله يعلم خائنة العيون وما تخفي الصدور، كما قال عز وجل: (يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور).
فلا يغرك المظهر الزائل، ولا يغرّنك جمال فانية، فالفتنة لا تعرف العمر، ولا تفرق بين الغني والفقير، بين الشاب والشيخ.
ثم كل قلب يسلم من النظر المحرم، وكل نفس تتحصن بالذكر والطاعة، هي جسر نحو النجاة في يوم الحساب.
النظر المحرم لا يزرع إلا الحزن والندم قبل أن يزرع الشهوة، ويجعل القلب عرضة للغضب، وللأهواء، وللعذاب.
كل لحظة غض فيها المؤمن بصره عن الحرام، كل دقيقة اجتنبت فيها العين ما حرم الله، هي خطوة نحو الصفاء الروحي، ونور يضيء القلب في ظلمة القبر، وطمأنينة تهدي النفس في مواطن الشدائد.
الطاعة تطهر القلب، وذكر الله وحده يملأ الصدر بالسكينة والطمأنينة، كما قال عز وجل: (الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب).
فهل يليق بقلب مؤمن أن يلهو بالحرام، ويغفل عن ما هو أحق بالحب: عن الله، وعن طاعته، وعن الجنة التي لا ينالها إلا من حفظ قلبه ونفسه؟
تذكر أن معك أما أو أختا أو قريبة، فلا يبتليك الله بسبب معصيتك بأحب قريباتك، فكما تدين تدان.
كل ما تصونه في نفسك اليوم من النظر والحرص على الطاعة، هو حماية لمن حولك من الفساد، وهو شهادة لك يوم تحاسب فيها على كل كلمة ونظرة وفعل.
كم من شباب انهارت حياتهم أمام فتنة النظر، وكم من قلب ذاب في حرقة الشهوة، فنسوا الآخرة، وغابوا عن حقيقة الموت والحساب.
كل لحظة تتجنب فيها النظر المحرم، كل مرة تمسك فيها النفس عن الحرام، هي ثمن صغير للنجاة الكبرى، وعزاء للروح (يوم لا ينفع مال ولا بنون، إلا من أتى الله بقلب سليم)، يوم يثبت المؤمنون على أعمالهم، ويحاسب الغافلون على كل لحظة ضاعت في الباطل.
احفظ قلبك، احفظ بصرك، اجعل النظر حجابا يحميك، فلا ينغرس في قلبك سهم إبليس بسبب شهوة زائلة. فالنجاة ليست في جمال النساء، بل في جمال القلب، وفي رضا الرحمن وحده، وفي الطاعة التي تجعل القلب نورا في الدنيا وقربا من الله في الآخرة.
يا من يلهيك النظر عن الله، تذكر أن كل امرأة تراها زائلة، وأن كل منظر يغريك سيمر، ولن يبقى لك إلا عملك، فلا تهدر قلبك، ولا تهدر حياتك في متاع فاني، ولا تدع النظرة الحرام تسرق منك ما هو أغلى من المال والجمال: طهارة القلب، وطمأنينة الروح، وقرب الله، ونجاة النفس يوم الحساب.