الجمعة 29 شوال 1447 هـ || الموافق 17 أبريل 2026 م


قائمة الأقسام   ||    مواعظ من القلب    ||    عدد المشاهدات: 413

كل نفس بما كسبت رهينة


ما أشدها من آية، وما أثقل وقعها على القلب حين يتأملها من عرف معنى الحساب، وخاف مقام ربه، واشتاق إلى الخلاص.

قال الله تعالى: كل نفس بما كسبت رهينة.
بمعنى: أن كل إنسان مأسورٌ بعمله، مربوطٌ بجناياته، لا ينجو إلا بفكّ رهنه، ولا يفلت إلا بعفو ربه، ولا يُنقذ إلا برحمة الله وغفرانه.

فيا نفس، إلى متى الغفلة؟
وإلى متى ترضين بالهروب خلف اللهو والسراب؟
ألم تعلمي أنك ستقفين وحدك بين يدي الله، لا والد يدفع، ولا صديق ينفع، ولا مال ولا جاه ولا سلطان؟
(وكلهم آتيه يوم القيامة فردا)

(كل نفس بما كسبت رهينة)
رهن بكلمة نطقت بها، ورهن بنظرة أطلقتها، ورهن بخطوة مشيتها، ورهن بدقيقة ضيعتها، ورهن بلقمة حرام، أو بغيبة أو نميمة أو حسد أو شهوة محرمة.
كل شيء مكتوب، كل شيء محفوظ، وكل شيء سيعرض بين يدي الله.

كلنا رهائن في قفص أعمالنا، لا يطلق سراحنا إلا توبة صادقة، ودمعة خاشعة، وعمل صالح نقي يرفَع إلى الله،
رهائن نحمل أغلال الذنوب على ظهورنا، ونظن أننا أحرار!
اخرج الإمام مسلم في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كل الناس يغدو، فبائع نفسه، فمعتقها أو موبقها.
بمعنى: أن كل إنسان يخرج إلى عمله في دنياه، فمنهم من يعتق نفسه بطاعة الله، ومنهم من يهلكها بمعصيته.

فلا تستهينوا بالذنوب حتى وإن كانت صغيرة، فإن الجبال من الحصى، ولا تغتروا بستر الله، فإنه يمهل ولا يهمل،
ولا تيأسوا من رحمة الله، فإن باب التوبة مفتوح حتى تطلع الشمس من مغربها.

وإن أردت أن تفك هذا الرهن قبل أن تحبس في قبرك، فابدأ من الآن، وتب إلى الله
وصحح العلاقة معه،
بترك ذنب يؤلم ضميرك، ويؤخر رزقك، ويمنعك من لذة الطاعة.

افتح المصحف واقرأ كلام الله، لعلك تسمع من بين الحروف نداء الرحمة: نبئ عبادي أني أنا الغفور الرحيم.
ثم يتبعها التحذير: وأن عذابي هو العذاب الأليم.

يا من أثقلته الخطايا،
ويا من طال به الطريق،
عد إلى ربك، فإن الموت أقرب مما تظن،
وكل نفس بما كسبت رهينة...

فلا ترهن نفسك للشيطان والهوى، بل أطلقها بحرية العبودية لله، ففيها السعادة كلها، وفيها النجاة.

اللهم لا تجعلنا رهائن للذنوب، ولا أسرى للغفلة، اللهم اعتق رقابنا من النار، واغسل قلوبنا من الأوزار، وخذ بأيدينا إليك، برحمتك، وفضلك، ورضاك يا أرحم الراحمين.

الدكتور صادق بن محمد البيضاني




اقرأ أيضا



للتواصل معنا

فايس واتساب تويتر تلغرام