قطيعة الأخ لأخيه
ضمن سلسلة مواعظ من القلب (40)
بقلم الدكتور صادق بن محمد البيضاني
كانا يمشيان سويا في دروب الطفولة، يقتسمان الرغيف والضحكة، ويغضبان معا، ثم يصطلحان قبل أن تغيب الشمس.
كبرت الأجساد، لكن القلوب، ما عادت كما كانت.
كلمة ألقت بظلها الثقيل، نظرة لم تغفر، موقف عابر كبر في الذاكرة حتى صار جدارا بينهما.
ما أقسى أن تتكدس السنوات، وتذبل المحبة، ويكبر البعد في قلوب كانت يوما متلاصقة كضلعين في قفص واحد.
في زاوية من زوايا البيت، أم تبكي في صمت، لا تدري كيف تنام بين قلبين متخاصمين، تردد في نفسها قوله تعالى: (فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم)؟
ثم تضيف بأسى: (أولئك الذين لعنهم الله).
كيف يهنأ قلب بلعنة قد تكون بسبب هجر شقيقه؟
أي لعنة أعظم من لعنة تسقطك من عين السماء بسبب قلب كسير كنت أنت السبب في جرحه؟
يقرأ أحدهم قوله تعالى: (إنما المؤمنون إخوة).
لكن قلبه لم يعد يؤمن أن الأخ أخ إن اختلف معه.
نسوا كيف كانوا، وكيف كان كل منهما سندا للآخر، حتى صار كل منهما على الضفة الأخرى من النسيان.
وفي الصحيحين قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
(لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث، يلتقيان، فيصد هذا، ويصد هذا، وخيرهما الذي يبدأ بالسلام).
والأشد منه ما أخرجه مسلم في صحيحه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
(تعرض الأعمال في كل اثنين وخميس، فيغفر لكل عبد لا يشرك بالله شيئًا، إلا امرأ كانت بينه وبين أخيه شحناء، فيقال: أرجئوا هذين حتى يصطلحا).
تؤجل المغفرة، تعلق الرحمة، كل ذلك لأجل خصام قد لا يسوى شيئا لو نظر إليه بنور الآخرة.
أيعقل أن يحرم أو يؤخر المرء من غفران ربه، لا لذنب بينه وبين الله، ولكن لضغينة بينه وبين أخيه؟
أيعقل أن تغلق أبواب السماء في وجه دعواتك، فقط لأنك أغلقت قلبك عن من كان أقرب الناس إليك؟
لو أنهم تذكروا ساعة الفراق،
حين يحمل الأخ على الأكتاف، ويدفن في التراب، ويغلق عليه اللحد، هل تجدي الشكوى حينها؟
هل تنفع الدمعة التي تأخرت؟ هل سينفع أن تقول: ليتني سامحته؟
ليتني عانقته قبل أن يغيب إلى الأبد؟
سامحه اليوم، فربما لا يمهل أحدكما للغد.
أطفئ نار الخلاف، وكن أنت البادئ، فرب سلام واحد يفتح لك أبواب السماء التي أغلقت طويلا.
وامض إليه بقلب مكسور، ولسان معتذر، ففي كل خطوة تمشيها إليه، لك بها أجر.
اللهم ألّف بين قلبيهما، وازرع بينهما المودة والرحمة، واهدهما لصلاح ذات البين، واصرف عنهما الشيطان، واجعل عودتهما سببا لمغفرتك ورضوانك.