الرضا بما قدره الله يطفئ الألم
ضمن سلسلة مواعظ من القلب (37)
بقلم الدكتور صادق بن محمد البيضاني
عند نزول البلاء، تذبل آمال البعض، وتضيع الأسباب، ويغيب حسن الظن، لكن العبد المؤمن لا ينسى أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، فيقف بثبات على عتبة الرضا والتسليم، مطمئنا بأن ما قدره الله له هو الخير، ولو غابت عن عينه حكمته.
يرى نور الحكمة خلف ظلمة الابتلاء، ويوقن أن البلاء رسالة محبة، وأن وراء كل ألمٍ لطفا خفيا من الرحمن الرحيم.
الرضا لا يشترى، ولا يؤخذ من الكتب، ولا يولد مع النفس، بل يغرس غرسا، ويسقى بماء الإيمان، ويكبر في أرض التسليم.
قال الله جل جلاله: (ما أصاب من مصيبة إلا بإذن الله ومن يؤمن بالله يهد قلبه)
قال العلماء: هو العبد تصيبه المصيبة، فيعلم أنها من عند الله، فيرضى ويسلم، فيهدي الله قلبه.
الرضا ليس ضعفا، بل هو ثمرة اليقين. أن توقن بأن الله أرحم بك من نفسك، وأنه لا يقدر شيئا إلا وفيه الخير، وإن لم تفهمه.
الرضا ليس أن تجف الدموع، ولكن أن لا يتغير قلبك على الله، بحيث لا تسخط، ولا تعترض، ولا تقول لماذا أنا؟
إنما تقول: (قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا)
وهنا الفرق، فالساخط يعيش ألمه مرتين: مرة من البلاء، ومرة من ضيق صدره به،
أما الراضي، فقلبه ساكن، وإن تكسرت الدنيا بين يديه.
رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو أحب الخلق إلى الله، دفن أبناءه بيده، وفقد مالا، وأوذي، وجاع، وطرد، وحوصر، ومع ذلك رضي وسلم، وصبر ولم يتضجر.
فما الذي يفقدنا الرضا ونحن لم نبتل عشر ما ابتلي به صلى الله عليه وسلم؟ ألسنا عبيدا مثله؟
ألا نؤمن بقول الله: (وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم)، وقوله تعالى: (وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم).
تأمل كم مرة بكيت على شيء صرفه الله عنك، ثم شكرته لاحقا؟ وكم مرة دعوت دعاء فلم يستجب، فظهر لك أن تأخيره كان أعظم نعمة؟
الرضا يقربك إلى الله أكثر من كثير من الأعمال، فقد ثبت عند الترمذي وغيره أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (إن عظم الجزاء مع عظم البلاء، وإن الله إذا أحب قوما ابتلاهم، فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فله السخط).
كل شيء في حياتك محسوب، بل حتى الوجع الذي لم تفهمه، وإن خابت الأحلام، فإن ربك لم يخطئ التقدير.
ولهذا قال بعض الصالحين: من عرف الله، رضي عنه وإن قُطع إربا إربا.
لأن الرضا لا يعني السعادة الظاهرة، بل يعني سكينة القلب في حضرة القدر
أن تقول في عمق حزنك: يا رب، لا أعلم لم فعلت، لكني أعلم أنك لا تفعل إلا خيرا.
اللهم ارزقنا قلبا راضيا، ونفسا مطمئنة، وتسليما لا يعترض، ويقينا لا يتزعزع، واملأ قلوبنا رضا بك في كل ما قدرت.