الجمعة 29 شوال 1447 هـ || الموافق 17 أبريل 2026 م


قائمة الأقسام   ||    مواعظ من القلب    ||    عدد المشاهدات: 178

إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب

ضمن سلسلة مواعظ من القلب (58)
بقلم الدكتور صادق بن محمد البيضاني


 كم من قلب انهكه البلاء، وكم من عين لم تنم الا على وسادة من الدمع، وكم من عبد ناجى ربه في ليل طويل، يئن من الوجع، ويقول يا رب الى متى؟
لكن الوحي يجيبه باية تمسح الالم وتسكن الوجع:
(انما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب).

كلمة واحدة من الله جل جلاله، تهز جبال الحزن في قلب المؤمن، وتفتح له بابا الى الأبدية السعيدة بغير حساب.
اي بغير عد، بغير ميزان، بغير حدود، بغير نهاية.

وكيف يقاس أجر الصبر على ألم عاناه القلب في سبيل الله، وكيف يحصى دمع سقط خفية وهو يقول رضيت يا رب بما كتبت لي.

الصبر ليس جمودا ولا ضعفا، بل هو أعلى مراتب الإيمان، ولب التوكل، وسر الثبات
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كما في الصحيحين: (وما أعطي أحد عطاء خيرا وأوسع من الصبر).

فالصبر هبة ربانية لا تمنح إلا لمن أحبه الله، كما قال جل شأنه: (وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون).

الصبر ليس كلمة تقال، بل هو عبادة تبنى على يقين عميق بأن الله يرى، ويسمع، ويمهل ليعطي، ويبتلي ليرفع
قال سبحانه: (ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون).

يا لها من بشارة تخرج من بين أنياب البلاء، فيبتسم القلب وسط الدمع، ويقول الحمد لله على كل حال.

تأمل في صبر الأنبياء، أولئك الذين ابتلوا ليعلمونا أن طريق الجنة ليس مفروشا بالورود
هذا أيوب عليه السلام سلب ماله وصحته، وبعد صبر طويل قال: (إني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين).

فأجابه الله بلطف لا يحد (فاستجبنا له فكشفنا ما به من ضر وأتيناه أهله ومثلهم معهم رحمة من عندنا وذكرى للعابدين).

وذاك يعقوب عليه السلام، حين فقد يوسف منه سنين طويلة، فكان يقول: (فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون).

حتى إذا بلغ البلاء مداه، أعاد الله إليه بصره، ورد إليه ولده، وجمع له شمله، وقال في نهاية القصة: (إنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين).

وهذا محمد صلى الله عليه وسلم، إمام الصابرين، الذي أوذي في الله ما لم يؤذ أحد قبله، أخرج من وطنه، وشج وجهه، وكسرت رباعيته، وقتل أصحابه بين يديه، ومع ذلك جاءه ملك الجبال كما في الصحيحين وقال له: إن شئت أن اطبق عليهم الأخشبين فعلت، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: (بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله لا يشرك به شيئا).

فاي قلب هذا الذي وسع الأذى وغفر، وأي صبر هذا الذي كان يثمر حبا ورحمة بدل الانتقام.

الصبر له وجوه ثلاثة: 
صبر على الطاعة حتى تؤدى، وصبر عن المعصية حتى تترك، وصبر على البلاء حتى يزول او يثاب عليه.
قال تعالى: (واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه).
وقال أيضا: (واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور).

ومن رحم الصبر تولد النعم، ومن بساتين البلاء تجنى ثمار الجنة.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كما في الصحيحين: (ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب ولا هم ولا حزن ولا أذى ولا غم، حتى الشوكة يشاكها، إلا كفر الله بها من خطاياه).

تأمل هذا الوعد العظيم، الشوكة، مجرد الشوكة التي تخدش أصبعك، لا تذهب سدى، بل تكتب في سجل الأجر، فكيف بالصابر على فقد، أو مرض، أو ظلم، أو ضيق رزق، أو هم لا يعلمه إلا الله.

يوم القيامة يدرك الناس أن هؤلاء الصابرين هم أهل النعيم في الجنة، وأن ما صبروا عليه في الدنيا لم يذهب سدى.

فاصبر فإن الله معك، (إن الله مع الصابرين).
ومن كان الله معه فماذا فقد، ومن فاته الله فماذا وجد.

واجعل شعارك في كل نازلة قول يعقوب عليه السلام (إنما اشكو بثي وحزني إلى الله).

وأعلم ان البلاء ساعة، والأجـر سرمد لا ينتهي، وأن الدمع الذي يسقط اليوم في محراب الصبر، سيروى به غدا غرس الجنة، فيثمر لك أنهارا وخلودا.
فطوبى لقلوب لم يثنها الألم عن الثقة بوعد الله، ولم يضعفها البلاء عن الإحسان إلى الخلق، ولم تطفئها المحن، بل زادها الصبر إشراقا وإيمانا.

فيا من أثقله الحزن، ويا من نام على أوجاعه، لا تيأس، فربك لا ينسى.
كل دمع له رصيد، وكل ألم له موعد.
وسيجعل الله بعد عسر يسرا، وبعد ظلمة نورا، وبعد البلاء جنة عرضها السماوات والأرض.
(سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار).




اقرأ أيضا



للتواصل معنا

فايس واتساب تويتر تلغرام