الأحد 10 شوال 1447 هـ || الموافق 29 مارس 2026 م


قائمة الأقسام   ||    مقالات متنوعة    ||    عدد المشاهدات: 766

ما أحوج الأمة اليوم إلى العلماء وطلبة العلم الرحماء
بقلم الدكتور صادق بن محمد البيضاني


في زمن تعالت فيه أصوات الباطل، واختلطت فيه المفاهيم، وكثرت فيه الفرق والبدع، وتزاحمت فيه الفتن، واشتدت غربة الدين، نجد الحاجة اليوم ماسة، بل ملحة، إلى العلماء الربانيين وطلبة العلم الصادقين الذين يرفقون بالناس، ويهدونهم إلى طريق الله بالحكمة والموعظة الحسنة.

لقد غلبت في هذا العصر القسوة في الخطاب الدعوي، وظهرت الغلظة في ألفاظ كثير من المنتسبين إلى العلم، فأدت تلك القسوة إلى اتساع الفجوة بين عامة المسلمين وبين العلماء، وانصرف الناس عن حلق الذكر، وأصبح الجاهلون يتصدرون، والفتاوى الشاذة تنتشر، والأهواء تتحكم، والعقول تُستعبد باسم العقلانية، والقلوب تقاد باسم التجديد، وكثير من العوام حيارى، لا يدرون أين الحق، ولا من يدلهم عليه.

نحن بحاجة إلى من يأخذ بأيدي الأمة من وحل البدع إلى نور السنة، ومن ظلمات الشرك إلى توحيد الله الخالص، بحاجة إلى من يعرف الناس بربهم، ويبعث فيهم حب نبيهم، ويدلهم على طريق الجنة، لا إلى من يقنطهم وينفرهم ويشد عليهم في غير موضع الشدة.

قال الله تعالى: (وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون)، فالعالم الرباني إمام في الخير، صابر في المحنة، صادق في البلاغ، يربي الناس على الخوف من الله مع الرجاء في رحمته، لا يهون من المعصية، ولا يغلق أبواب التوبة والتوبة.

وقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم من زمان يقبض فيه العلم، ويكثر فيه الجهل، فقال كما في الصحيحين: (إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من الناس، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالما، اتخذ الناس رؤوسا جهالا، فسئلوا فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا).

وليس هذا فحسب، بل إذا خلا الزمان من العلماء الصادقين، فُتح الباب للمتعالمين، وركب الجهال صهوة الفتوى، وملأوا الدنيا ضجيجا، وتكلموا باسم الدين، وهم أبعد ما يكونون عن نور الوحي، فصاروا فتنة للناس، وسببا في كرههم للشرع، وتنفيرهم من الحق.

فيا معشر العلماء والدعاة وطلبة العلم: أنتم ورثة الأنبياء، أنتم من يعقد الناس فيكم الأمل بعد الله، أنتم من يجب أن يكون أكثر الناس رأفة بأمتهم، وألطفهم خطابا، وأصدقهم نصحا. خذوا بأيدي الناس إلى ربهم، وكونوا رحماء، لا قساة، هادين، لا منفرين. قال الله تعالى لنبيه: (فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك).

وأخرج الإمام مسلم في صحيحه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (ما كان الرفق في شيء إلا زانه، ولا نُزع من شيء إلا شانه).

لا تيأسوا من حال الأمة، فإن في قلوب الناس خيرا كثيرا، ولكنهم بحاجة إلى من يوقظه، ويبعثه من مرقده، بحاجة إلى من يعلمهم بلا ترفع عليهم ولا سخط، وينصحهم بلا ازدراء، قال الله تعالى: (وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون)، فالإصلاح هو الطريق، وليس مجرد الصلاح الفردي.

كونوا دعاة إلى الله بصدق، ارفعوا الجهل عن الناس، علموهم ما نسي من التوحيد، وردوهم إلى سنة النبي الأمين، وارحموهم، وتحننوا عليهم، فإن القلوب مريضة، والنفوس عطشى، والناس تائهون يبحثون عن سفينة النجاة، فكونوا لهم ربانها، وكونوا كما وصفكم الله: (الذين يبلغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون أحدا إلا الله).

يا أمة الإسلام، عودوا إلى علمائكم الربانيين، وساندوا الدعاة الصادقين، وكونوا معهم في خندق الدعوة، فمعركة الحق والباطل لا تزال قائمة، والدين بحاجة إلى جنود من نوع خاص: رحماء بالخلق، حكماء في الدعوة، ثابتين على الحق، صادقين مع الله.

يا طالب العلم: لا يكفي أن تحفظ المتون، وتفهم المسائل، بل كن رحمة تمشي على الأرض، وكن بابا للهداية، لا جدارا يصعب تجاوزه.

ويا عالم الأمة: لا تيأس من الجاهلين، فإن الله قد أرسل من هو خير منك إلى من هو شر منهم، فقال لموسى وهارون: (فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى).

إلى كل غيور على دينه: لا تكن متفرجا، بل كن لبنة في بناء الهدى، وسراجا في طريق الضالين، وسندا للدعاة المخلصين، فـ: (إن الله مع الذين اتقوا، والذين هم محسنون).

اللهم أحي قلوبنا بالعلم، وبارك لنا في علمائنا، وارزقنا العلم النافع والعمل الصالح، واجعلنا هداة مهتدين غير ضالين ولا مضلين.




اقرأ أيضا



للتواصل معنا

فايس واتساب تويتر تلغرام